
الريادة: في مثل هذا اليوم، الثالث والعشرين من أغشت، تعاقبت على صفحات التاريخ أحداث تركت بصماتها العميقة في مسارات الدول والشعوب؛ ففيه شهدت موريتانيا محطة مفصلية في مسار بناء دولتها الحديثة، بينما ارتبط اليوم عالميًا بثورات التحرر، واتفاقيات أعادت رسم خرائط النفوذ، وأحداث صنعت منعطفات كبرى في الحرب والسلام، إلى جانب محطات بارزة في العلم والثقافة والاتصال. ويظل 23 أغشت واحدًا من التواريخ التي تختزن في يوم واحد فصولًا متباينة من تاريخ الإنسانية، بين صعود دول وانهيار أخرى، وبين انتصارات الحرية ومآسي الحروب والصراعات.
في موريتانيًا، يستعيد الثالث والعشرون من أغشت ذكرى بارزة من مرحلة التأسيس السياسي للدولة الموريتانية؛ ففي 23 أغشت 1961 أُعلن انتخاب المختار ولد داداه رئيسًا للجمهورية الإسلامية الموريتانية، بعد اقتراع جرى قبل ذلك بأيام، ليصبح أول رئيس للبلاد في مرحلة مبكرة من عمر الدولة الوطنية المستقلة.
وقد مثّل انتخابه محطة أساسية في ترسيخ مؤسسات الجمهورية الناشئة، فيما كانت موريتانيا تخوض في تلك المرحلة معركة تثبيت حضورها الإقليمي والدولي وبناء مؤسساتها الوطنية. وقد وثقت صحيفة «لوموند» في عددها الصادر في 23 أغشت 1961 انتخاب ولد داداه بأغلبية كبيرة، مشيرة إلى أن الاقتراع جرى دون تسجيل حوادث تذكر في مختلف أنحاء البلاد.
كما يحمل هذا التاريخ محطة أخرى في مسار الإعلام الموريتاني؛ ففي 23 أغشت 2011 مُنحت أولى التراخيص للوسائل السمعية البصرية الخاصة في موريتانيا، بعد عقود من احتكار الدولة للمجال السمعي البصري، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في المشهد الإعلامي الوطني وتوسيع هامش التعدد في وسائل الإعلام.
وعلى الصعيد العالمي، يرتبط 23 أغشت بواحدة من أكثر المحطات دلالة في تاريخ النضال ضد الاستعباد؛ إذ اندلعت في ليلة 22 إلى 23 أغشت 1791 انتفاضة العبيد في سان دومينغ، المستعمرة الفرنسية التي أصبحت لاحقًا هايتي، وهي الانتفاضة التي شكلت الشرارة الأولى للثورة الهايتية وأسهمت في تغيير تاريخ العبودية والاستعمار في العالم. ولهذا اعتمدت منظمة اليونسكو يوم 23 أغشت اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها، تخليدًا لتلك اللحظة التاريخية واستحضارًا لنضالات الشعوب من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
وفي عام 1572، شهدت فرنسا واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخها الديني والسياسي، مع بداية مذبحة سان بارتيليمي التي استهدفت البروتستانت الفرنسيين «الهوغونوت»، وامتدت أعمال القتل إلى مناطق مختلفة من البلاد. وأصبحت تلك الأحداث رمزًا للصراع الديني العنيف الذي مزق أوروبا في القرن السادس عشر.
وفي 23 أغشت 1775، أعلن الملك البريطاني جورج الثالث أن المستعمرات الأمريكية دخلت في حالة «تمرد مفتوح ومعلن»، في خطوة جاءت في ذروة التوتر بين بريطانيا ومستعمراتها في أمريكا الشمالية، قبل أن تنتهي حرب الاستقلال بقيام الولايات المتحدة كدولة مستقلة.
وفي عام 1839، سيطرت بريطانيا على هونغ كونغ خلال التوتر المتصاعد مع الصين، في سياق الأحداث التي قادت إلى حرب الأفيون الأولى، التي أعادت تشكيل العلاقات بين الصين والقوى الاستعمارية الأوروبية وفتحت مرحلة طويلة من التدخل الأجنبي في الأراضي الصينية.
أما في 23 أغشت 1939، فقد شهد العالم توقيع ميثاق مولوتوف–ريبنتروب بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي، وهو اتفاق عدم اعتداء مثّل مفاجأة كبرى بالنظر إلى العداء الأيديولوجي بين النظامين. وتضمن الاتفاق السري تقسيم مناطق من أوروبا الشرقية إلى مناطق نفوذ، وكان من أبرز مقدمات اندلاع الحرب العالمية الثانية بعد أيام قليلة.
وفي 1944، شهدت رومانيا تحولًا دراماتيكيًا في الحرب العالمية الثانية، بعدما أطاح الملك ميهاي الأول بحكومة أيون أنتونيسكو، وأعلنت البلاد الانحياز إلى الحلفاء بدلًا من دول المحور. وأسهم هذا التحول في تغيير موازين القوى على الجبهة الشرقية وتسريع انهيار النفوذ الألماني في جنوب شرق أوروبا.
وفي عام 1966، التقط المسبار الأمريكي Lunar Orbiter 1 أول صورة للأرض من مدار حول القمر، في إنجاز علمي رمزي وضع كوكبنا لأول مرة أمام عدسة مركبة تدور حول جرم سماوي آخر، ومهّد في الوقت نفسه لمهام استكشاف القمر والهبوط عليه.
وفي 23 أغشت 1989، شهدت دول البلطيق واحدة من أكثر صور الاحتجاج السلمي رمزية في القرن العشرين، عندما اصطف نحو مليوني شخص من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا في سلسلة بشرية امتدت مئات الكيلومترات، احتجاجًا على السيطرة السوفيتية وإحياءً لذكرى الاتفاق الألماني السوفيتي الذي قسّم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية. وأصبحت السلسلة البلطيقية رمزًا عالميًا للمقاومة السلمية والسعي إلى الاستقلال.
وفي اليوم نفسه من عام 1990، أعلنت أرمينيا استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، في واحدة من المحطات التي عكست بداية التفكك المتسارع للاتحاد السوفيتي، قبل أن تستكمل البلاد استقلالها رسميًا بعد عام.
وفي 23 أغشت 1991، فُتح الشبكة العالمية World Wide Web أمام الجمهور، في خطوة شكلت نقطة تحول في تاريخ الاتصال والمعرفة، ومهدت للثورة الرقمية التي أعادت تشكيل الاقتصاد والإعلام والتعليم والحياة اليومية على مستوى العالم.
وفي ليبيا، ارتبط 23 أغشت 2011 بواحدة من أبرز مراحل سقوط نظام معمر القذافي، بعدما سيطرت قوات المجلس الوطني الانتقالي على مجمع باب العزيزية في طرابلس، في منعطف عسكري وسياسي حاسم خلال الثورة الليبية.
مواليد
في مثل هذا اليوم من عام 1754، وُلد لويس السادس عشر، ملك فرنسا الذي ارتبط عهده بالسنوات المضطربة التي سبقت الثورة الفرنسية، وانتهى حكمه بإعدامه عام 1793، في واحدة من أكثر اللحظات دراماتيكية في التاريخ الأوروبي الحديث.
وفي عام 1912، وُلد الفنان الأمريكي جين كيلي، الراقص والممثل والمخرج الذي أحدث تحولًا في تاريخ الأفلام الموسيقية، وارتبط اسمه بأعمال شهيرة مثل «الغناء تحت المطر» و«أمريكي في باريس».
وفي 23 أغشت 1978، وُلد نجم كرة السلة الأمريكي كوبي براينت، الذي أصبح أحد أبرز رموز اللعبة في العالم، وحقق خلال مسيرته الرياضية إنجازات استثنائية جعلته من أكثر الرياضيين تأثيرًا في جيله.
وفي عام 1988، وُلد لاعب كرة السلة الأمريكي جيريمي لين، الذي ارتبط اسمه بظاهرة «Linsanity» التي اجتاحت الدوري الأمريكي لكرة السلة عام 2012.
وفيات
في مثل هذا اليوم من عام 634م، توفي أبو بكر الصديق، أول الخلفاء الراشدين، بعد مرحلة حاسمة من تاريخ الدولة الإسلامية، شهدت تثبيت وحدة الجزيرة العربية وبدء توسع الدولة الإسلامية خارجها.
وفي 23 أغشت 1305، أُعدم الزعيم الاسكتلندي ويليام والاس في لندن بعد أسره ومحاكمته من قبل السلطات الإنجليزية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز رموز المقاومة الاسكتلندية والنضال من أجل الاستقلال.
وفي عام 1819، توفي قائد البحرية الأمريكية أوليفر هازارد بيري متأثرًا بالحمى الصفراء، بعد مسيرة عسكرية جعلت منه أحد أبطال البحرية الأمريكية خلال حرب 1812.
وفي 1926، توفي نجم السينما الصامتة الإيطالي الأمريكي رودولف فالنتينو عن 31 عامًا، مخلفًا وراءه حالة استثنائية من الحزن الجماهيري، إذ تحولت وفاته إلى واحدة من أشهر حالات الحداد الجماعي في تاريخ السينما المبكرة.
وفي 1927، أُعدم الأمريكيان من أصل إيطالي نيكولا ساكو وبارتولوميو فانزيتي بعد محاكمة أثارت جدلًا عالميًا واسعًا، وظلت قضيتهما لعقود رمزًا للنقاش حول العدالة والمحاكمات السياسية وحقوق المتهمين.
ويبقى الثالث والعشرون من أغشت يومًا تتقاطع فيه مسارات التاريخ على نحو لافت؛ ففي موريتانيا ارتبط بمحطة مبكرة في بناء الجمهورية وتكريس مؤسسات الدولة، وعلى الصعيد العالمي ارتبط بنضالات الشعوب ضد العبودية والاستعمار، وبحروب وصراعات أعادت رسم خرائط النفوذ، وبمحطات علمية وتكنولوجية نقلت البشرية إلى آفاق جديدة. وبين انتخاب أول رئيس لموريتانيا المستقلة، وصرخة العبيد في هايتي، والسلسلة البشرية في دول البلطيق، وصولًا إلى الصورة الأولى للأرض من مدار القمر وفتح شبكة الإنترنت أمام العالم، يؤكد هذا التاريخ أن الأيام لا تُقاس بعدد ساعاتها، وإنما بما تتركه أحداثها من أثر في ذاكرة الشعوب ومسار الإنسانية.**




