
الريادة: في مثل هذا اليوم، الحادي والعشرين من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية محطة سياسية مهمة من تاريخ البلاد الحديث، حين أكدت نواكشوط عام 1979 تمسكها بالحياد في نزاع الصحراء الغربية، في أعقاب انسحابها من الحرب، ووسط مرحلة شديدة الحساسية كانت فيها الجمهورية تعيد رسم سياستها الخارجية وتبحث عن مخرج من تداعيات سنوات الحرب.
ويكتسب هذا التاريخ أهميته من موقعه في سياق التحولات التي عرفتها موريتانيا بعد الإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه في يوليو 1978. فبعد اتفاق الجزائر الموقع في 5 أغشت 1979 وانسحاب موريتانيا من تيرس الغربية، بدأت نواكشوط تتجه نحو سياسة جديدة تقوم على إنهاء مشاركتها في الحرب وإعلان عدم الانحياز إلى أي طرف في النزاع.
وفي 21 أغشت 1979، أكد وزير الخارجية الموريتاني في مؤتمر صحفي بداكار أن بلاده «ليست طرفًا في نزاع الصحراء» وأنها متمسكة بـ«الحياد التام»، مع تأكيد استعدادها للدفاع عن سلامة أراضيها.
1979.. موريتانيا تعلن الحياد
جاء الموقف الموريتاني بعد أسابيع قليلة من واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ الجمهورية.
فقد كانت موريتانيا قد دخلت حرب الصحراء الغربية عام 1975، وتحملت خلال السنوات التالية كلفة بشرية واقتصادية وعسكرية كبيرة، فيما تصاعدت الهجمات التي شنتها جبهة البوليساريو على الأراضي والمواقع الموريتانية.
وأدى ذلك إلى ضغوط متزايدة داخل البلاد، انتهت بالإطاحة بنظام المختار ولد داداه في انقلاب عسكري في يوليو 1978.
وبعد الانقلاب، بدأت القيادة العسكرية الجديدة تبحث عن تسوية تخرج موريتانيا من الحرب.
وكان اتفاق الجزائر في 10 أغشت 1979 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن يبدأ الانسحاب الموريتاني من تيرس الغربية في 15 أغشت. وفي 21 أغشت، جاء التأكيد الدبلوماسي على أن موريتانيا أصبحت خارج النزاع وأنها تتبنى سياسة الحياد. وتظهر المصادر الصحفية الفرنسية أن هذا الموقف جاء في وقت كانت فيه نواكشوط تعيد ترتيب علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. (Le Monde.fr)
من الحرب إلى البحث عن الاستقرار
لم يكن إعلان الحياد مجرد موقف دبلوماسي، بل كان تعبيرًا عن تحول عميق في السياسة الموريتانية.
فالحرب التي بدأت باعتبارها محاولة لحماية المصالح الإقليمية للبلاد تحولت تدريجيًا إلى عبء على الاقتصاد والدولة والمجتمع.
وكانت موريتانيا، بعد انسحابها، أمام تحديات جديدة: إعادة بناء الجيش، معالجة آثار الحرب، وتثبيت الأمن الداخلي، وإعادة ترتيب العلاقات مع المغرب والجزائر والبوليساريو، إضافة إلى الحفاظ على علاقات خارجية تساعدها على تجاوز آثار الأزمة.
ولهذا يمكن النظر إلى 21 أغشت 1979 باعتباره جزءًا من مرحلة الانتقال من سياسة الحرب إلى سياسة البحث عن الاستقرار.
ولم تكن الطريق سهلة؛ فالتطورات الإقليمية التي أعقبت الانسحاب الموريتاني، خصوصًا دخول المغرب إلى المناطق التي انسحبت منها موريتانيا، جعلت نواكشوط أمام واقع إقليمي جديد، فرض عليها مواصلة التوازن بين الأطراف المختلفة.
موقف في زمن إعادة تشكيل الدولة
كان إعلان الحياد يجري في وقت لم تكن فيه موريتانيا قد استقرت سياسيًا بعد.
فبعد انقلاب 1978، دخلت البلاد مرحلة حكم عسكري، وتعاقبت فيها التحولات السياسية بسرعة، قبل أن تعرف لاحقًا تغييرات جديدة في قيادة البلاد.
ومن ثم فإن قرار الخروج من الحرب لم يكن منفصلًا عن إعادة بناء الدولة نفسها؛ إذ كان على السلطة الجديدة أن تخفف من الإنفاق العسكري، وتعيد توجيه موارد الدولة نحو الاقتصاد والخدمات، وتعمل على استعادة قدر من الاستقرار الداخلي.
وكانت السنوات التالية ستشهد إعادة صياغة كاملة للسياسة الموريتانية تجاه ملف الصحراء الغربية، وصولًا إلى توقيع اتفاق السلام مع البوليساريو وإعلان التخلي عن المطالب الإقليمية في الصحراء.
وهكذا، فإن 21 أغشت 1979 يمثل إحدى الحلقات الأولى في ذلك المسار الطويل.
1831.. تمرد نات تيرنر يهز الولايات المتحدة
وعلى الصعيد العالمي، يعود الحادي والعشرون من أغشت إلى واحد من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ العبودية الأميركية.
ففي 21 أغشت 1831، بدأ نات تيرنر تمردًا للعبيد في ولاية فرجينيا، تحول خلال أيام إلى واحدة من أكبر الانتفاضات المسلحة للعبيد في تاريخ الولايات المتحدة.
وقُتل خلال التمرد ما لا يقل عن 55 شخصًا من البيض، قبل أن تقمع السلطات الانتفاضة وتشن حملات انتقام واسعة ضد السكان السود. وألقي القبض على تيرنر لاحقًا وأعدم، بينما دفعت الانتفاضة السلطات إلى تشديد القيود المفروضة على العبيد والأفارقة الأميركيين.
وأصبح التمرد لاحقًا جزءًا من الذاكرة الأميركية المرتبطة بمقاومة العبودية، وبالصراع الطويل الذي انتهى بعد عقود بإلغاء نظام الرق.
1911.. الموناليزا تختفي من اللوفر
وفي 21 أغشت 1911، وقعت واحدة من أشهر عمليات السرقة الفنية في التاريخ.
فقد اختفت لوحة الموناليزا التي رسمها ليوناردو دا فينشي من متحف اللوفر في باريس، قبل أن يتبين لاحقًا أن موظفًا إيطاليًا في المتحف، يدعى فينتشنزو بيروجيا، سرقها وأخفاها.
وأثارت السرقة ضجة عالمية، وساهمت بصورة غير مباشرة في تحويل اللوحة إلى واحدة من أشهر الأعمال الفنية في العالم.
وبعد أكثر من عامين، عُثر عليها في إيطاليا، عندما حاول بيروجيا بيعها، فعادت إلى اللوفر وسط اهتمام دولي واسع. ويظل اختفاء الموناليزا واحدًا من أشهر أحداث تاريخ الفن.
1944.. مؤتمر يمهد لولادة الأمم المتحدة
وفي 21 أغشت 1944، بدأت في واشنطن أعمال مؤتمر دومبارتون أوكس، الذي جمع ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا والصين لمناقشة شكل المنظمة الدولية التي ستخلف عصبة الأمم.
وكان العالم لا يزال يعيش الحرب العالمية الثانية، لكن القوى الكبرى كانت بدأت بالفعل التخطيط للنظام الدولي الذي سيولد بعد انتهاء الحرب.
وأفضت المناقشات إلى مقترحات أساسية ستساهم لاحقًا في إنشاء منظمة الأمم المتحدة عام 1945.
وهكذا، كان 21 أغشت 1944 شاهدًا على لحظة بدأت فيها القوى المنتصرة التخطيط لعالم ما بعد الحرب، حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها.
1959.. هاواي تصبح الولاية الأميركية الخمسين
وفي 21 أغشت 1959، أصبحت هاواي الولاية الخمسين والأخيرة التي تنضم إلى الولايات المتحدة.
وكان الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قد وقع في مارس من العام نفسه القانون الذي أتاح لسكان هاواي التصويت على الانضمام إلى الاتحاد، قبل أن يصدر في 21 أغشت إعلان قبولها ولاية أميركية.
وبذلك اكتمل الشكل الحالي لخريطة الولايات المتحدة، فيما أصبح علم البلاد يحمل خمسين نجمة بدلًا من ثمان وأربعين.
1968.. رومانيا تتحدى موسكو
وفي 21 أغشت 1968، اتخذ الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو موقفًا لافتًا عندما أدان علنًا الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا.
وكانت قوات الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو قد دخلت تشيكوسلوفاكيا في ليلة 20 إلى 21 أغشت لإنهاء تجربة «ربيع براغ» والإصلاحات التي قادها ألكسندر دوبتشيك.
وكان موقف تشاوشيسكو من أبرز مظاهر المعارضة داخل الكتلة الشرقية للتدخل السوفييتي، وأثار حماسًا شعبيًا كبيرًا في رومانيا.
1983.. اغتيال بينينو أكينو
وفي الفلبين، أصبح 21 أغشت 1983 يومًا مفصليًا عندما اغتيل زعيم المعارضة بينينو أكينو الابن في مطار مانيلا لدى عودته من المنفى.
وكان أكينو من أبرز خصوم الرئيس فرديناند ماركوس، وأدى اغتياله إلى موجة واسعة من الاحتجاجات والمعارضة الشعبية.
وبعد ثلاث سنوات، ساهمت تلك الأزمة في اندلاع «ثورة سلطة الشعب» التي أطاحت بماركوس عام 1986، وأعادت كوراثون أكينو، أرملة بينينو، إلى الواجهة السياسية.
ولهذا بقي 21 أغشت في الذاكرة الفلبينية رمزًا للمعارضة السياسية والثمن الذي يمكن أن يدفعه أصحاب المواقف السياسية في الأنظمة السلطوية.
1986.. بحيرة تقتل قرابة ألفي شخص
وفي الكاميرون، شهد 21 أغشت 1986 واحدة من أغرب الكوارث الطبيعية في العصر الحديث.
فقد انبعثت كميات ضخمة من غاز ثاني أكسيد الكربون من بحيرة نيوس البركانية، وانحدر الغاز نحو المناطق المحيطة بالبحيرة، ما أدى إلى اختناق أعداد هائلة من السكان والحيوانات.
وتشير التقديرات إلى أن الكارثة أودت بحياة ما يصل إلى 1800 شخص خلال ساعات قليلة.
وأصبحت كارثة بحيرة نيوس مثالًا نادرًا على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن البحيرات البركانية المشبعة بالغازات.
1991.. لاتفيا تستعيد استقلالها
وفي 21 أغشت 1991، أعلنت لاتفيا استعادة استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، في وقت كانت فيه موسكو تعيش واحدة من أخطر أزماتها السياسية.
وجاء الإعلان بعد انهيار محاولة الانقلاب التي استهدفت ميخائيل غورباتشوف، والتي أدت إلى إضعاف السلطة المركزية وتسارع حركات الاستقلال في جمهوريات الاتحاد السوفييتي.
وفي اليوم نفسه تقريبًا، كانت محاولة الانقلاب قد بدأت في الانهيار، لتدخل الإمبراطورية السوفييتية مرحلة الأشهر الأخيرة قبل تفككها رسميًا في ديسمبر 1991.
21 أغشت.. يومٌ تعيد فيه الدول رسم مواقعها
تكشف محطات الحادي والعشرين من أغشت عن يوم تكرر فيه مشهد إعادة رسم مواقع الدول والشعوب.
في موريتانيا، كان اليوم عام 1979 موعدًا لتأكيد الخروج من حرب الصحراء الغربية والتوجه نحو الحياد، في مرحلة كانت البلاد تبحث فيها عن الاستقرار بعد سنوات من الحرب والاضطراب.
وفي أوروبا، كان الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا يضع حدًا لتجربة إصلاحية، بينما كانت لاتفيا بعد أكثر من عقدين تستعيد استقلالها مع انهيار المنظومة السوفييتية.
وفي آسيا، كان اغتيال بينينو أكينو يفتح الطريق أمام واحدة من أكبر حركات المعارضة الشعبية في الفلبين.
أما في الولايات المتحدة، فيستعيد اليوم قصة تمرد نات تيرنر، وسرقة الموناليزا، وانضمام هاواي إلى الاتحاد.
إنها ذاكرة الأيام؛ حيث تتغير خرائط الدول أحيانًا بقرار سياسي، وأحيانًا بثورة أو حرب، وأحيانًا بإعلان استقلال، بينما تظل بعض الأحداث، كاختفاء لوحة من متحف أو اغتيال زعيم معارض، قادرة على ترك أثر يتجاوز زمنها ومكانها.
الحادي والعشرون من أغشت.. يومٌ تتقاطع فيه ذاكرة موريتانيا مع أسئلة الحرب والسلام، فيما يواصل العالم تسجيل لحظاته الفاصلة بين الاستقلال والصراع، والانهيار وإعادة البناء.




