ذاكرة الأيام | 19 أغشت.. يومٌ أعادت فيه موريتانيا ترتيب حكومتها وبدأت مرحلة جديدة

الريادة: في مثل هذا اليوم، التاسع عشر من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية محطة سياسية لافتة من تاريخ الجمهورية الأولى، حين شهدت البلاد عام 1971 تعديلًا حكوميًا دخل بموجبه عدد من الكفاءات الشابة والتكنوقراط إلى الحكومة، في سياق سياسي كانت فيه الدولة تبحث عن تجديد نخبتها وإعادة تنظيم مؤسساتها بعد إعادة انتخاب الرئيس المختار ولد داداه لإنابة رئاسية ثالثة.

ويكتسب هذا التاريخ أهميته من السياق الذي جاء فيه؛ فقد لم يكن التعديل الوزاري معزولًا عن التحولات التي كانت تشهدها موريتانيا آنذاك، إذ سبقته في يوليو وأغشت مؤتمرات استثنائية لحزب الشعب الموريتاني، ركزت على الانفتاح على الكوادر الشابة، وإضفاء قدر من الديمقراطية داخل الحزب، وتعزيز التنسيق بين العمل الحزبي والعمل الحكومي والإداري. وبعد أقل من أسبوعين على إعادة انتخاب ولد داداه، جاءت الحكومة الجديدة لتترجم جانبًا من هذا التوجه.

1971.. الكفاءات الشابة تدخل الحكومة

في التاسع عشر من أغشت 1971، صدر مرسوم يتعلق بإعادة ترتيب الحكومة، في وقت كانت فيه الجمهورية الأولى تحاول استيعاب جيل جديد من الأطر والكفاءات التي بدأت تفرض حضورها في الإدارة والسياسة.

وتشير الوثائق الرسمية الموريتانية إلى أن المرسوم رقم 71.224 الصادر في ذلك التاريخ نظم أيضًا مسألة إنابة الوزراء في حال غيابهم، بينما تؤكد الدراسات التاريخية أن التعديل الوزاري في 19 أغشت 1971 شهد دخول تكنوقراط شباب إلى الحكومة.

ولم تكن مسألة تجديد النخبة تفصيلًا إداريًا في تلك المرحلة، فقد كانت موريتانيا قد دخلت منذ أواخر الستينيات في مرحلة من إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والحزب، مع بروز جيل جديد من المتعلمين والموظفين الذين أصبحوا أكثر حضورًا في الحياة العامة.

وكان المؤتمر الرابع لحزب الشعب الموريتاني عام 1975 سيذهب لاحقًا أبعد في استيعاب هذه الطاقات، لكن إرهاصات هذا التحول كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، وكان عام 1971 إحدى محطاته المهمة.

حكومة بعد إعادة انتخاب ولد داداه

جاء التعديل بعد أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت في أغسطس 1971.

ففي التاسع من أغشت، أعيد انتخاب المختار ولد داداه رئيسًا للجمهورية لولاية ثالثة، بينما شهدت الجمعية الوطنية بدورها تجديدًا في تركيبتها. ثم جاء التعديل الحكومي في التاسع عشر من الشهر نفسه، ليمنح الحكومة بدورها وجهًا أكثر ارتباطًا بالجيل الجديد من الأطر.

ومن هذه الزاوية، يبدو 19 أغشت جزءًا من سلسلة واحدة من الأحداث السياسية: انتخابات، ثم تجديد للمؤسسات التشريعية، ثم إعادة ترتيب للحكومة.

وكان ذلك يحدث في بلد لم يكن قد تجاوز عقده الأول بعد من الاستقلال، ويبحث عن أفضل السبل لبناء جهاز دولة قادر على إدارة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتسارعة.

1971.. سنة التحولات

كان عام 1971 واحدًا من الأعوام التي تكثفت فيها التحولات داخل موريتانيا.

ففي بداية العام شهدت البلاد اضطرابات طلابية في مدارس نواكشوط، كما شهدت توترات نقابية وإضرابات، في وقت كانت فيه النخب الجديدة تطرح أسئلة حول التعليم والإدارة والعدالة الاجتماعية ومستقبل الدولة. وفي أبريل وقعت موريتانيا اتفاقات تعاون اقتصادي وفني مع الصين، بينما شهد الصيف مؤتمرات استثنائية لحزب الشعب الموريتاني.

ثم جاءت انتخابات التاسع من أغشت، وبعدها بأيام التعديل الحكومي.

ولذلك يمكن قراءة 19 أغشت بوصفه جزءًا من مرحلة إعادة ترتيب سياسي ومؤسسي كانت الجمهورية الأولى تعيشها، أكثر من كونه مجرد تاريخ لتغيير أسماء في الحكومة.

من تجديد النخبة إلى استقلال القرار

وسيتضح خلال السنوات التالية أن إدخال الكفاءات الشابة إلى دوائر القرار لم يكن منفصلًا عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي كانت موريتانيا تستعد لها.

فبعد عامين فقط، ستصدر الأوقية كعملة وطنية عام 1973، وستتجه البلاد إلى توسيع هامش استقلالها الاقتصادي، ثم يأتي تأميم ميفرما عام 1974 ليشكل إحدى أبرز المحطات في تاريخ الاقتصاد الوطني.

كما ستشهد موريتانيا خلال الفترة نفسها توسيع علاقاتها الدولية، والانضمام إلى جامعة الدول العربية، قبل أن تدخل لاحقًا في ملف الصحراء الغربية بما حمله من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية عميقة.

وهكذا، فإن حكومة 1971 كانت تتحرك في بلد يستعد لمرحلة مختلفة، تتجاوز مجرد بناء مؤسسات الدولة إلى محاولة امتلاك قرارها الاقتصادي والسياسي بصورة أكبر.

1942.. إنزال دَييب الذي تحول إلى درس عسكري

وعلى الصعيد العالمي، ارتبط التاسع عشر من أغشت 1942 بواحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل خلال الحرب العالمية الثانية، وهي غارة دَييب على الساحل الفرنسي المحتل.

ففي ذلك اليوم نفذت القوات البريطانية والكندية، بدعم من وحدات الحلفاء، عملية إنزال واسعة على ميناء دَييب، بهدف اختبار الدفاعات الألمانية وتطوير تكتيكات عمليات الإنزال البحري التي كانت ستصبح لاحقًا أساسية في غزو نورماندي.

لكن العملية تحولت إلى كارثة عسكرية؛ فقد واجه المهاجمون دفاعات ألمانية قوية، واضطرت القوات المتبقية إلى الانسحاب بعد ساعات من القتال، مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى والأسرى. وتشير المراجع التاريخية إلى أن العملية كشفت بوضوح الصعوبات الهائلة التي تواجه أي إنزال بحري في مواجهة دفاعات ساحلية منظمة.

ورغم فشل دَييب، استفاد الحلفاء من دروسها في التخطيط لعملية إنزال نورماندي بعد نحو عامين، ولذلك أصبحت المعركة مثالًا على أن الهزيمة العسكرية يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى مصدر للمعرفة والتخطيط للانتصار اللاحق.

1944.. باريس تنتفض ضد الاحتلال

وبعد عامين فقط، كان التاسع عشر من أغشت شاهدًا على حدث مختلف في الحرب نفسها.

ففي 19 أغشت 1944، اندلعت في باريس انتفاضة ضد الاحتلال الألماني، بالتزامن مع اقتراب قوات الحلفاء من العاصمة الفرنسية.

وكانت الانتفاضة بداية الأيام الأخيرة للاحتلال الألماني للعاصمة، قبل دخول قوات الحلفاء وقيام الجنرال شارل ديغول باستعراض النصر في باريس بعد أيام قليلة. وتضع المصادر التاريخية 19 أغشت ضمن بداية انتفاضة تحرير باريس التي انتهت بخروج القوات الألمانية منها.

وبذلك أصبح التاريخ مرتبطًا في الذاكرة الفرنسية ببداية استعادة العاصمة حريتها بعد أربع سنوات من الاحتلال.

1945.. الثورة الفيتنامية تبدأ من هانوي

وفي آسيا، كان 19 أغشت 1945 موعدًا مع محطة حاسمة في تاريخ فيتنام.

ففي ذلك اليوم، تمكنت جبهة فييت منه بقيادة هو تشي منه من السيطرة على هانوي خلال ما عرف لاحقًا باسم ثورة أغسطس، مستفيدة من انهيار الحكم الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكانت السيطرة على العاصمة خطوة رئيسية في الطريق إلى إعلان استقلال فيتنام في الثاني من سبتمبر 1945، لتبدأ بعد ذلك مرحلة طويلة من الصراع مع القوى الاستعمارية التي حاولت استعادة نفوذها في البلاد.

وتندرج ثورة أغسطس ضمن موجة التحرر التي اجتاحت آسيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الموجة التي ستصل لاحقًا إلى إفريقيا وتعيد رسم الخريطة السياسية للعالم.

1953.. انقلاب مصدق في إيران

وفي 19 أغشت 1953، شهدت إيران واحدًا من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخها الحديث، عندما أطاح انقلاب برئيس الوزراء محمد مصدق وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى موقع أكثر قوة.

وجاء الانقلاب بعد أزمة سياسية واقتصادية حادة ارتبطت، من بين أمور أخرى، بتأميم النفط الإيراني، وارتبطت العملية بدور أجهزة استخبارات بريطانية وأميركية في دعم الإطاحة بمصدق. وأصبحت هذه الواقعة لاحقًا واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ العلاقات بين إيران والغرب.

1960.. «بيلكا» و«ستريلكا» تسبقان الإنسان إلى الفضاء

وفي اليوم نفسه من عام 1960، حقق الاتحاد السوفييتي إنجازًا بارزًا في سباق الفضاء، عندما أطلق المركبة سبوتنيك 5 وعلى متنها الكلبتان «بيلكا» و«ستريلكا»، إلى جانب عدد من الفئران والجرذان والنباتات.

وعادت المركبة إلى الأرض بنجاح في اليوم التالي، لتصبح الرحلة من أهم التجارب التي أثبتت إمكانية إرسال كائنات حية إلى الفضاء وإعادتها سالمًا، وهو ما مهّد الطريق أمام الرحلات البشرية اللاحقة.

وكان ذلك في قلب سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، قبل أقل من عام على رحلة يوري غاغارين التاريخية التي جعلته أول إنسان يصل إلى الفضاء.

1991.. بداية النهاية للاتحاد السوفييتي

وفي 19 أغشت 1991، بدأت محاولة الانقلاب التي استهدفت الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، عندما وضعه قادة الانقلاب تحت الإقامة الجبرية أثناء وجوده في شبه جزيرة القرم.

وفي موسكو، حاول قادة الانقلاب فرض حالة الطوارئ وإيقاف مسار الإصلاحات التي كان غورباتشوف يقودها، لكن المقاومة التي قادها بوريس يلتسين أفشلت المحاولة خلال أيام.

وأدى فشل الانقلاب إلى تسارع تفكك الاتحاد السوفييتي، الذي سينتهي رسميًا في ديسمبر من العام نفسه. ولذلك أصبح 19 أغشت واحدًا من التواريخ التي تستعاد عند الحديث عن الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.

2003.. بغداد تفقد سيرجيو فييرا دي ميلو

وفي 19 أغشت 2003، تعرض مقر الأمم المتحدة في بغداد لهجوم بشاحنة مفخخة أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص، بينهم ممثل الأمم المتحدة الخاص في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو.

وكان الهجوم من أكثر الأحداث دموية التي استهدفت الأمم المتحدة، وترك أثرًا كبيرًا على عمل المنظمة الدولية في العراق، كما أصبح يوم 19 أغشت لاحقًا اليوم العالمي للعمل الإنساني تخليدًا لضحايا الهجوم وجميع العاملين في المجال الإنساني الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء مهامهم.

19 أغشت.. يومٌ تتقاطع فيه الدولة والتحرر والتحول

تكشف محطات التاسع عشر من أغشت عن تاريخ تتقاطع فيه مسارات مختلفة.

في موريتانيا، كان اليوم عام 1971 موعدًا لإعادة ترتيب الحكومة وإدخال جيل جديد من الكفاءات إلى دوائر القرار، في وقت كانت الجمهورية الأولى تستعد لتحولات اقتصادية وسياسية كبرى.

وعلى المستوى العالمي، كان اليوم نفسه شاهدًا على غارة دَييب التي تحولت هزيمتها إلى درس في التخطيط العسكري، وعلى انتفاضة باريس ضد الاحتلال، وثورة أغسطس في فيتنام، وانقلاب إيران، وتجارب الفضاء السوفييتية، ثم بداية النهاية للاتحاد السوفييتي.

وإذا كانت هذه الأحداث تبدو متباعدة، فإن بينها خيطًا مشتركًا: لحظات تنتقل فيها الدول والمجتمعات من مرحلة إلى أخرى، أحيانًا عبر الإصلاح والتجديد، وأحيانًا عبر الحرب والثورة والانقلاب.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث قد يكون التاسع عشر من أغشت يومًا تعيد فيه حكومة ترتيب صفوفها، أو يومًا تنتفض فيه عاصمة ضد الاحتلال، أو تنطلق فيه ثورة من أجل الاستقلال، أو تصعد فيه كائنات حية إلى الفضاء، أو تبدأ فيه إمبراطورية كبرى خطواتها الأخيرة نحو النهاية.