ذاكرة الأيام | 18 أغشت.. يومٌ هزمت فيه أم التونسي فرقةً فرنسية ودوّى صدى المعركة في باريس

الريادة: في مثل هذا اليوم، الثامن عشر من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية واحدة من أشهر صفحات المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، حين خاض المقاومون الموريتانيون معركة أم التونسي سنة 1932، وتمكنوا من إلحاق هزيمة كبيرة بفرقة فرنسية متحركة، في واحدة من آخر المعارك الكبرى في تاريخ المقاومة المسلحة الموريتانية.

ويكتسب هذا التاريخ أهميته من طبيعة المعركة ونتائجها؛ فقد واجه نحو 120 مقاومًا فرقة فرنسية قوامها نحو 170 جنديًا، بقيادة النقيب ديلانج، في منطقة أم التونسي شمال شرقي نواكشوط. وتذكر المصادر الموريتانية أن المقاومة تمكنت من إلحاق خسائر فادحة بالقوة الفرنسية، وسقط في المعركة 17 شهيدًا من المقاومين، من بينهم قائدهم سيدي ولد الشيخ ولد العروصي، فيما قُتل عدد كبير من أفراد القوة الفرنسية.

1932.. أم التونسي تدخل سجل المقاومة

وقعت المعركة في 18 أغشت 1932 بمنطقة أم التونسي، الواقعة في منطقة «تافلي» على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال شرقي نواكشوط، على الطريق المؤدي إلى أكجوجت وأطار.

وكانت القوات الفرنسية قد تلقت معلومات عن تحرك مجموعة من المقاومين في المنطقة، فأرسلت فرقة متحركة من ترارزة لاعتراضهم.

لكن المقاومة كانت قد أدركت تحرك القوة الفرنسية، واختارت موقعًا مناسبًا للكمين، مستفيدة من طبيعة المنطقة الرملية والأشجار الموجودة فيها.

وبحسب الروايات المتداولة حول المعركة، تمكن المقاومون من مباغتة القوة الفرنسية وإطلاق النار عليها من أكثر من اتجاه، قبل أن تتحول المواجهة إلى معركة عنيفة انتهت بتراجع القوات الفرنسية بعد تكبدها خسائر كبيرة.

وتضع الرابطة الوطنية لتخليد بطولات المقاومة معركة أم التونسي ضمن آخر المعارك الكبرى في حوليات المقاومة الموريتانية، وتؤكد أن القوات الفرنسية كانت أفضل تسليحًا وعتادًا، رغم أن المقاومة تمكنت من تحقيق انتصار عسكري لافت.

سيدي ولد الشيخ ولد العروصي.. قائد المعركة

ارتبط اسم أم التونسي بقائد المقاومة سيدي ولد الشيخ ولد العروصي، الذي قاد المقاتلين في تلك المواجهة إلى جانب عدد من أبرز رجال المقاومة في المنطقة.

وتشير المصادر إلى أن القوة الموريتانية ضمت نحو 120 مقاتلًا، فيما كان من بين القادة المشاركين إبراهيم السالم ولد ميشان وسيدي أحمد ولد الكوري، إلى جانب سيدي ولد الشيخ ولد العروصي.

وقد استشهد سيدي ولد الشيخ ولد العروصي خلال المعركة، ليصبح اسمه مرتبطًا بواحدة من أكثر صفحات المقاومة الموريتانية حضورًا في الذاكرة الوطنية.

ولم تكن أم التونسي مواجهة معزولة؛ فقد جاءت بعد سلسلة طويلة من المعارك التي خاضها المقاومون ضد القوات الفرنسية في مناطق مختلفة من البلاد، من آدرار وتيرس إلى الترارزة وإينشيري.

وتضع دراسة تاريخية نشرتها الوكالة الموريتانية للأنباء معركة أم التونسي ضمن المرحلة الأخيرة من المقاومة المسلحة التي امتدت حتى عام 1934.

الملازم ماكماهون.. قتيل المعركة الذي أثار صدى في فرنسا

ومن أكثر جوانب المعركة إثارة للاهتمام أن من بين قتلى القوات الفرنسية الملازم دي ماكماهون، وهو من عائلة فرنسية بارزة، الأمر الذي أعطى للمعركة صدى يتجاوز حدود موريتانيا.

وتورد الروايات الموريتانية أن مقتل الملازم ماكماهون وعدد من الضباط والجنود الفرنسيين أحدث رد فعل قويًا في باريس، وأظهر أن المقاومة الموريتانية، رغم محدودية إمكاناتها العسكرية، كانت لا تزال قادرة على إلحاق خسائر مؤلمة بالقوات الاستعمارية.

وتشير إحدى الروايات إلى أن القوات الفرنسية فقدت في المعركة عددًا من الضباط، إضافة إلى جنود من الرماة السنغاليين والحرس، فيما اضطرت القوة إلى التراجع بعد الهزيمة. (مشروع حفظ ذاكرة المقاومة)

ومن هنا اكتسبت أم التونسي مكانتها الخاصة في الذاكرة؛ ليس فقط باعتبارها معركة انتصرت فيها المقاومة، وإنما باعتبارها مواجهة كشفت استمرار القدرة على المقاومة في مرحلة كانت الإدارة الاستعمارية تعتقد فيها أنها اقتربت من إحكام سيطرتها على البلاد.

معركة في نهاية عهد المقاومة المسلحة

كانت معركة أم التونسي واحدة من المعارك الأخيرة الكبرى في تاريخ المقاومة المسلحة الموريتانية.

وتشير الدراسات التي تؤرخ للمقاومة إلى أن المرحلة التي سبقت 1934 شهدت عددًا من المواجهات، من بينها توجنين ووديان الخروب وأم التونسي وميجيك، قبل أن تتراجع المقاومة المسلحة المباشرة تدريجيًا أمام اتساع السيطرة الفرنسية وتشديد الرقابة والتحكم في حركة القبائل والمناطق.

لكن انتهاء المواجهات المسلحة لم يعنِ اختفاء الذاكرة؛ فقد بقيت أسماء المقاومين والمعارك حاضرة في الرواية الوطنية، وأصبحت أم التونسي واحدة من المواقع التي تستعيد فيها موريتانيا تاريخ مقاومتها للاستعمار.

ولهذا خُلدت المعركة رسميًا في مناسبات وطنية وثقافية، وأقيمت ندوات لاستعادة تفاصيلها وتكريم شهدائها. وقد نظمت الرابطة الوطنية لتخليد بطولات المقاومة سنة 2016 ندوة بمناسبة مرور 84 عامًا على المعركة.

1920.. المرأة الأميركية تحصل على حق التصويت

وعلى الصعيد العالمي، يحمل الثامن عشر من أغشت محطة مهمة في تاريخ الحقوق السياسية.

ففي 18 أغشت 1920، صادقت ولاية تينيسي الأميركية على التعديل التاسع عشر للدستور الأميركي، لتصبح الولاية السادسة والثلاثين التي توافق عليه، وهو العدد اللازم لإقراره دستوريًا.

ونص التعديل على عدم جواز حرمان المواطنين من حق التصويت بسبب الجنس، وبذلك أصبح حق المرأة في التصويت محميًا دستوريًا على المستوى الفدرالي في الولايات المتحدة.

وجاءت هذه الخطوة تتويجًا لعقود من نضال الناشطات المطالبات بحقوق المرأة السياسية، وحولت 18 أغشت إلى محطة بارزة في تاريخ توسيع المشاركة السياسية.

ولم يكن الأمر مجرد تعديل قانوني؛ فقد كان تعبيرًا عن تحول اجتماعي وسياسي أوسع، انتقلت فيه المرأة من موقع المتلقية للقرارات إلى طرف يشارك في تحديد السلطة عبر صناديق الاقتراع.

1877.. اكتشاف قمر المريخ «فوبوس»

وفي 18 أغشت 1877، اكتشف عالم الفلك الأميركي آساف هول القمر «فوبوس»، أحد قمري كوكب المريخ.

وجاء الاكتشاف في مرصد البحرية الأميركية بواشنطن، ضمن سلسلة من عمليات الرصد التي كان هول يجريها بحثًا عن أقمار المريخ.

وبعد أيام قليلة اكتشف القمر الثاني «ديموس»، ليصبح المريخ أول كوكب بعد الأرض يُعرف أن له قمرين طبيعيين.

وكان اكتشاف فوبوس وديموس إنجازًا مهمًا في علم الفلك في القرن التاسع عشر، وأظهر إلى أي مدى كان التقدم في أدوات الرصد يوسع معرفة الإنسان بالنظام الشمسي.

1940.. «اليوم الأصعب» في معركة بريطانيا

وفي 18 أغشت 1940، شهدت سماء بريطانيا واحدة من أكثر مراحل معركة بريطانيا كثافة خلال الحرب العالمية الثانية.

وشنت القوات الجوية الألمانية غارات واسعة على بريطانيا، بينما واجهتها القوات الجوية الملكية البريطانية في معارك جوية عنيفة.

وأصبح ذلك اليوم معروفًا في بعض الروايات التاريخية باسم «اليوم الأصعب»، في إشارة إلى حجم الاشتباكات والخسائر التي تكبدها الطرفان. وتضع سجلات التاريخ العسكري 18 أغشت ضمن الأيام الحاسمة في معركة بريطانيا التي سبقت محاولة ألمانيا تحقيق التفوق الجوي تمهيدًا لغزو بريطانيا.

وكانت معركة بريطانيا واحدة من أولى المواجهات الكبرى التي اعتمد فيها مصير حملة عسكرية واسعة على التفوق في الجو، قبل أن تفشل ألمانيا في تحقيق التفوق الجوي المطلوب.

1945.. إندونيسيا تبدأ بناء جمهوريتها

وبعد إعلان استقلال إندونيسيا في 17 أغشت 1945، أدى سوكارنو في 18 أغشت اليمين بوصفه أول رئيس للجمهورية، فيما أصبح محمد حتا نائبًا للرئيس.

وفي اليوم نفسه، أُقر الدستور الإندونيسي المؤقت واختير سوكارنو وحتا لقيادة الدولة الجديدة.

وهكذا لم يكن استقلال إندونيسيا مجرد إعلان سياسي، بل بدأت في اليوم التالي مباشرة عملية بناء مؤسسات الدولة الجديدة.

وجاء ذلك في لحظة تاريخية كانت فيها الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية تدخل مرحلة من التراجع، بينما كانت حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا تستعد لفتح فصل جديد في تاريخ العالم.

1963.. جيمس ميريديث يتخرج من جامعة ميسيسيبي

وفي 18 أغشت 1963، أصبح جيمس ميريديث أول طالب أسود يتخرج من جامعة ميسيسيبي، في واحدة من المحطات الرمزية لحركة الحقوق المدنية الأميركية.

وكان ميريديث قد تمكن من الالتحاق بالجامعة عام 1962 بعد مواجهة قانونية وسياسية كبيرة، وترافق دخوله مع اضطرابات وعنف ووجود قوات فدرالية.

وبتخرجه في 1963، لم يكن قد حصل على شهادة جامعية فحسب، وإنما أصبح رمزًا لمعركة أوسع ضد الفصل العنصري والتمييز في التعليم.

وجاءت الخطوة في السنة نفسها التي شهدت واحدة من أكثر مراحل حركة الحقوق المدنية تأثيرًا، قبل إقرار قانون الحقوق المدنية الأميركي عام 1964.

1965.. «ستارلايت» تدخل حرب فيتنام مرحلة جديدة

وفي 18 أغشت 1965، بدأت الولايات المتحدة عملية Starlite في جنوب فيتنام، في واحدة من أولى العمليات البرية الأميركية الكبرى في حرب فيتنام.

وشارك في العملية آلاف من مشاة البحرية الأميركية ضد قوات الفيتكونغ في شبه جزيرة فان تونغ.

وأصبحت العملية محطة مهمة في تصعيد المشاركة العسكرية الأميركية المباشرة في الحرب، بعدما كانت واشنطن قد بدأت تدريجيًا في زيادة حجم قواتها الموجودة في جنوب فيتنام.

وكانت حرب فيتنام ستتحول خلال السنوات التالية إلى واحدة من أكثر الحروب إثارة للانقسام داخل الولايات المتحدة، وإلى أزمة دولية تركت آثارًا سياسية واجتماعية عميقة.

1991.. محاولة الانقلاب على غورباتشوف

وفي 18 أغشت 1991، دخل الاتحاد السوفييتي واحدة من أخطر أزماته السياسية الأخيرة.

فقد وضع عدد من المسؤولين السوفييت الرئيس ميخائيل غورباتشوف تحت الإقامة الجبرية في منزله خلال عطلته في شبه جزيرة القرم، في محاولة لمنع الإصلاحات السياسية التي كان يقودها.

وفي اليوم التالي أُعلن عن تشكيل «لجنة الدولة لحالة الطوارئ»، في محاولة لإزاحة غورباتشوف وإعادة فرض السيطرة المركزية.

لكن المحاولة فشلت خلال أيام، بعدما قاد بوريس يلتسين مقاومة سياسية في موسكو، وسرعان ما تسارعت عملية تفكك الاتحاد السوفييتي، وصولًا إلى انهياره رسميًا في ديسمبر من العام نفسه.

وبذلك أصبح 18 أغشت أحد التواريخ التي سبقت بأشهر قليلة نهاية الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة.

18 أغشت.. من رمال أم التونسي إلى سقوط إمبراطورية

تكشف محطات الثامن عشر من أغشت عن يوم شديد التنوع في ذاكرة التاريخ.

في موريتانيا، تستعيد الذاكرة أم التونسي؛ حيث واجه المقاومون قوة استعمارية متفوقة في العتاد وتمكنوا من تحقيق انتصار ترك أثرًا في تاريخ المقاومة الوطنية.

وفي الولايات المتحدة، يستعيد اليوم معركة المرأة من أجل حق التصويت، ثم معركة أخرى ضد التمييز العنصري في الجامعات.

وفي آسيا، يبدأ استقلال إندونيسيا خطواته الأولى نحو بناء الدولة، بينما كانت حرب فيتنام تفتح فصلًا جديدًا من التدخل العسكري الأميركي.

وفي الاتحاد السوفييتي، كان 18 أغشت موعدًا مع بداية الأزمة التي ستقود بعد أشهر قليلة إلى نهاية دولة عظمى امتدت على مساحة شاسعة من العالم.

أما في السماء، فقد كان التاريخ ذاته شاهدًا على اكتشاف فوبوس، أحد أقمار المريخ؛ صورة مختلفة تمامًا لرحلة الإنسان في تجاوز حدود الأرض.

الثامن عشر من أغشت.. ذاكرة مقاومة لا تنتهي

في الذاكرة الموريتانية، يبقى 18 أغشت 1932 يومًا من أيام المقاومة التي أثبتت أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة انتهاء روح المقاومة.

فقد سقط شهداء أم التونسي، لكن المعركة بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية، وأصبح موقعها واسم قادتها جزءًا من السردية الموريتانية حول مقاومة الاستعمار.

أما في الذاكرة العالمية، فيحمل اليوم صورًا متعددة: امرأة تنتزع حقها في التصويت، وطالب يكسر حاجزًا عنصريًا، وشعب يبدأ بناء دولة مستقلة، وعلماء يوسعون معرفة الإنسان بالكون، ودولة عظمى تقترب من نهايتها.

وهي صور مختلفة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: أن التاريخ تصنعه لحظات يقرر فيها الإنسان أن يتجاوز واقعًا قائمًا، سواء كان ذلك استعمارًا أو تمييزًا أو حربًا أو حتى حدود المعرفة نفسها.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث قد يكون الثامن عشر من أغشت معركة في كثبان أم التونسي، أو صوت امرأة تطالب بحقها، أو طالبًا يعبر بوابة جامعة، أو عالمًا يكتشف عالمًا جديدًا في السماء؛ وفي كل صورة منها يبقى الإنسان هو محور الحكاية.