ذاكرة الأيام | 13 أغشت.. يومٌ واجه فيه القانون إرث العبودية وغيّرت جدران برلين وجه العالم

جلسة البرلمان التي صادق خلالها على قانون تجريم العبودية، ويظهر في الأدنى وزير العدل إبراهيم ولد داداه (أرشيف)

الريادة: في مثل هذا اليوم، الثالث عشر من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية واحدة من أبرز المحطات التشريعية في مسار مكافحة العبودية، حين أقر البرلمان الموريتاني في 13 أغشت 2015 قانونًا جديدًا يجرّم العبودية والممارسات الاستعبادية، ويصنف العبودية جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم.

ويكتسب هذا التاريخ أهميته من كونه جاء في سياق سعي موريتانيا إلى تعزيز الإطار القانوني لمواجهة مخلفات العبودية، بعد أن كانت البلاد قد جرّمت الممارسة لأول مرة بموجب قانون 2007، قبل أن يأتي قانون 2015 ليشدد العقوبات ويوسع نطاق التجريم ويضع آليات قضائية متخصصة للنظر في هذه القضايا.

فقد أقرّت الجمعية الوطنية، مساء 13 أغشت 2015، بالإجماع مشروع القانون الذي ألغى واستبدل القانون رقم 2007-048 المتعلق بتجريم العبودية ومعاقبة الممارسات الاستعبادية. ونص القانون الجديد على اعتبار العبودية جريمة ضد الإنسانية وغير قابلة للتقادم، كما حدد صورًا مختلفة من الممارسات الاستعبادية والعقوبات المترتبة عليها، وأتاح للجمعيات الحقوقية المعترف بها قانونًا التبليغ عن الجرائم ومساعدة الضحايا.

2015.. قانون جديد في مواجهة إرث العبودية

جاء القانون الجديد بعد سنوات من اعتماد التشريع الأول الذي جرّم العبودية في موريتانيا عام 2007، في محاولة لتعزيز الردع القانوني وتجاوز الصعوبات التي ظهرت في تطبيق النص السابق.

ورفع قانون 2015 مستوى التجريم، إذ لم يعد التعامل مع العبودية باعتبارها مجرد مخالفة قانونية، وإنما باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، مع التأكيد على عدم سقوطها بالتقادم.

كما شدد القانون العقوبات المتعلقة بالعبودية والممارسات الاستعبادية، ونص على إجراءات خاصة للتعامل مع هذه الجرائم، بما في ذلك إنشاء محاكم متخصصة في كل ولاية للنظر في قضايا العبودية.

وكانت هذه الخطوة جزءًا من مسار قانوني أوسع، بدأ بإلغاء العبودية رسميًا عام 1981، ثم تجريم ممارستها عام 2007، قبل تشديد الإطار التشريعي سنة 2015.

وبذلك أصبح الثالث عشر من أغشت 2015 تاريخًا تشريعيًا بارزًا في مسار تعامل الدولة الموريتانية مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ المجتمع.

من التشريع إلى التطبيق

لم يكن إصدار القانون نهاية المسار، بل فتح نقاشًا آخر حول مدى قدرة النصوص القانونية على الوصول إلى المجتمع وتحويل التجريم القانوني إلى حماية فعلية للضحايا.

وقد رحبت منظمات حقوقية بإقرار القانون، لكنها أثارت في الوقت نفسه مخاوف بشأن آليات تطبيقه، مستحضرة الصعوبات التي رافقت تطبيق قانون 2007.

وفي ديسمبر 2015، أنشأت السلطات ثلاث محاكم جنائية متخصصة في قضايا العبودية، في خطوة هدفت إلى ترجمة القانون الجديد إلى إجراءات قضائية عملية.

وهكذا، فإن أهمية 13 أغشت 2015 لا تكمن في صدور قانون جديد فحسب، بل في كونه محطة ضمن مسار طويل انتقلت فيه القضية من الاعتراف القانوني بإلغاء العبودية إلى تجريم ممارساتها وتشديد العقوبات عليها ومحاولة بناء مؤسسات قضائية متخصصة لمواجهتها.

1961.. يوم أغلقت برلين أبوابها

وعلى الجانب الآخر من ذاكرة الثالث عشر من أغشت، يستعيد العالم واحدة من أشهر صور الانقسام السياسي في القرن العشرين.

ففي فجر 13 أغشت 1961، بدأت سلطات ألمانيا الشرقية إغلاق الحدود الفاصلة بين برلين الشرقية والقطاعات الغربية، ونصبت الأسلاك الشائكة والحواجز، وأوقفت حركة القطارات بين أجزاء المدينة، تمهيدًا لبناء جدار برلين الذي سيقسم المدينة لنحو 28 عامًا.

وكانت السلطات في ألمانيا الشرقية تسعى إلى وقف تدفق مواطنيها نحو الغرب، بعدما أصبحت الهجرة عبر برلين واحدة من أكبر الأزمات السياسية والاقتصادية التي واجهها النظام.

وفي الساعات الأولى من ذلك اليوم، انتشرت قوات الشرطة والجيش والمجموعات شبه العسكرية، وأغلقت الطرق والمعابر، بينما بدأ وضع الأسلاك الشائكة على خطوط الفصل بين شطري المدينة.

ولم يكن الجدار في بدايته أكثر من حواجز وأسلاك شائكة، قبل أن يتحول خلال الأيام والأسابيع التالية إلى منظومة حدودية ضخمة من الخرسانة والأسلاك وأبراج المراقبة.

28 عامًا من الجدار

تحول جدار برلين سريعًا إلى رمز للحرب الباردة والانقسام بين الشرق والغرب.

فقد فصل العائلات والأصدقاء، وقسم الشوارع والأحياء، وجعل الانتقال من جزء من المدينة إلى آخر مسألة تخضع لقيود أمنية صارمة.

واستمر الجدار ونظام التحصينات الحدودية المحيطة ببرلين الغربية نحو 28 عامًا، قبل أن يسقط في 9 نوفمبر 1989، في واحدة من أكثر اللحظات رمزية في نهاية الحرب الباردة.

ومن المفارقات التاريخية أن الجدار الذي بدأ في 13 أغشت 1961 بوصفه أداة لإغلاق الحدود، أصبح سقوطه في 1989 رمزًا لانهيار الانقسام الأوروبي وعودة الوحدة الألمانية.

وهكذا أصبح الثالث عشر من أغشت يومًا يستحضر في الذاكرة العالمية صورة الجدار، ليس باعتباره بناءً من الإسمنت والأسلاك فقط، وإنما باعتباره رمزًا لمرحلة كاملة من الصراع الدولي.

1960.. جمهورية إفريقيا الوسطى تعلن استقلالها

وفي إفريقيا، حمل 13 أغشت 1960 حدثًا من أيام الاستقلال التي طبعت القارة في تلك السنة.

ففي هذا اليوم، حصلت جمهورية إفريقيا الوسطى على استقلالها عن فرنسا، في خضم موجة واسعة من استقلال المستعمرات الفرنسية في إفريقيا.

وكان عام 1960 قد شهد استقلال عدد كبير من الدول الإفريقية، حتى أصبح يعرف في كثير من الكتابات باسم عام إفريقيا، بعدما انتقلت دول عديدة من الحكم الاستعماري إلى بناء دولها الوطنية المستقلة.

ومع استقلال إفريقيا الوسطى، بدأت الدولة الجديدة مرحلة بناء مؤسساتها الوطنية في بيئة إقليمية ودولية كانت لا تزال تعيش آثار الاستعمار وتداعيات الحرب الباردة.

ويمنح هذا الحدث الثالث عشر من أغشت بعدًا إفريقيًا واضحًا، إذ يربط التاريخ بموجة التحرر التي أعادت رسم خريطة القارة خلال ستينيات القرن الماضي.

1521.. سقوط تينوتشتيتلان

وفي 13 أغشت 1521، سقطت مدينة تينوتشتيتلان، عاصمة إمبراطورية الأزتيك، أمام قوات الإسباني هرنان كورتيس وحلفائه المحليين، بعد حصار استمر عدة أشهر.

وكان سقوط المدينة نقطة حاسمة في انهيار إمبراطورية الأزتيك، وأحد أبرز الأحداث التي دشنت مرحلة جديدة في تاريخ المكسيك وأمريكا الوسطى.

وقد قاومت المدينة حصارًا طويلًا، قبل أن تتمكن القوات الإسبانية وحلفاؤها من السيطرة عليها، وأُسر آخر حكام الأزتيك كواوتيموك.

وأعقب سقوط تينوتشتيتلان تدمير أجزاء كبيرة من المدينة وإعادة بناء المنطقة التي ستتحول لاحقًا إلى مدينة مكسيكو.

وظل 13 أغشت في الذاكرة المكسيكية مرتبطًا بلحظة مفصلية غيّرت مسار تاريخ المنطقة، وفتحت الباب أمام قرون من الحكم الاستعماري الإسباني.

1961.. يومٌ غيّر وجه أوروبا

وبالعودة إلى جدار برلين، فإن ما حدث في 13 أغشت 1961 لم يكن مجرد أزمة حدودية محلية.

فقد جاء في قلب الحرب الباردة، في وقت كان فيه العالم منقسمًا بين معسكرين تقودهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

وكانت برلين نفسها واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية؛ إذ كانت المدينة مقسمة إلى قطاعات، لكنها بقيت بوابة مفتوحة نسبيًا أمام انتقال السكان من الشرق إلى الغرب.

ومع إغلاق الحدود، أصبحت برلين صورة مكثفة للعالم المنقسم: مدينة واحدة، لكنها مقسمة سياسيًا وعسكريًا وأيديولوجيًا.

ولهذا أصبح تاريخ بناء الجدار واحدًا من التواريخ التي تختصر مرحلة كاملة من القرن العشرين.

13 أغشت.. حين تصبح الحدود أكثر من جدران

تجمع محطات الثالث عشر من أغشت بين أحداث تبدو متباعدة جغرافيًا وزمنيًا، لكنها تكشف في النهاية عن قضايا متصلة بتاريخ الإنسان.

ففي موريتانيا، كان البرلمان يضع تشريعًا أكثر صرامة في مواجهة إرث العبودية، في محاولة لتحويل مبدأ الإلغاء إلى تجريم وعقوبات وآليات قضائية.

وفي برلين، كانت السلطات تبني جدارًا للفصل بين عالمين، قبل أن يتحول ذلك الجدار بعد عقود إلى رمز عالمي للانقسام.

وفي إفريقيا، كانت جمهورية جديدة تبدأ رحلة الاستقلال وبناء الدولة، بينما كان سقوط تينوتشتيتلان قبل خمسة قرون يفتح صفحة استعمارية طويلة في تاريخ القارة الأميركية.

وهكذا يحمل الثالث عشر من أغشت صورًا متناقضة: قانون يحاول إزالة أثر تاريخي، وجدار يحاول تثبيت انقسام، واستقلال يفتح طريقًا نحو المستقبل، وسقوط مدينة يعلن بداية عصر جديد.

13 أغشت.. من مواجهة الماضي إلى صناعة المستقبل

في الذاكرة الموريتانية، يبقى 13 أغشت 2015 محطة مرتبطة بمسار تشريعي مهم في مواجهة العبودية والممارسات الاستعبادية، وما رافقه من محاولة لتعزيز آليات التجريم والحماية القانونية.

وفي الذاكرة العالمية، يظل اليوم مرتبطًا بصورة جدار برلين، وبالاستقلال الإفريقي، وبسقوط واحدة من أعظم مدن حضارات ما قبل الاستعمار في الأمريكتين.

وإذا كان التاريخ يترك وراءه آثارًا مادية، مثل الجدران والمدن والحدود، فإنه يترك أيضًا آثارًا قانونية وسياسية تتجاوز عمر الأحداث نفسها.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث قد يبدأ التاريخ بقانون، أو بجدار، أو بإعلان استقلال، لكنه لا ينتهي عند لحظة وقوع الحدث، بل يستمر في تشكيل حاضر الشعوب والأسئلة التي تطرحها على مستقبلها.