
لم تعد حوادث السير في بلادنا مجرد أخبار عابرة نتلقاها كل يوم، ثم نمضي في حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث. خلف كل حادث مأساة، وخلف كل وفاة أسرة فقدت عزيزًا، وخلف كل إصابة إنسان قد تتغير حياته وحياة من حوله إلى الأبد.
وفي أقل من 24 ساعة، شهدت طرقنا مجددًا حوادث مؤلمة أودت بحياة خمسة أشخاص وأصابت آخرين، في مشاهد تعيد إلى الواجهة سؤالًا لا ينبغي أن نتوقف عن طرحه: إلى متى سنظل ندفع أرواحًا غالية ثمنًا للسرعة والتهور وقلة الانتباه؟
إن الطريق ليس مكانًا لإثبات المهارة في القيادة، ولا ميدانًا للمنافسة على السرعة. الطريق مسؤولية مشتركة، وأي خطأ فيه قد لا يمنح صاحبه فرصة ثانية للاعتذار أو الندم.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الحوادث يمكن تفاديها لو التزم السائق ببعض القواعد البسيطة: تخفيف السرعة، احترام مسافة الأمان، تجنب التجاوز الخطير، التأكد من سلامة المركبة والإطارات، وعدم القيادة في حالة التعب أو النعاس، فضلًا عن ضرورة استخدام حزام الأمان.
وتزداد الحاجة إلى الحذر خلال موسم الخريف، الذي يشهد ارتفاعًا في حركة التنقل بين المدن والمناطق الداخلية، وهو ما جعل حملات التوعية بالسلامة الطرقية تركز بصورة خاصة على هذه الفترة. وقد أطلقت جهات رسمية ومجتمعية حملات للتحسيس بمخاطر الحوادث والدعوة إلى القيادة الآمنة.
لكن التوعية وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى سلوك يومي. فالسائق الذي يعرف مخاطر السرعة ثم يضغط على دواسة الوقود، والذي يعرف خطورة التجاوز في الأماكن غير الآمنة ثم يقدم عليه، والذي يدرك أن مركبته تحتاج إلى صيانة ثم يواصل استخدامها، لا تنقصه المعلومة، وإنما ينقصه الالتزام.
كما أن المسؤولية لا تقع على السائق وحده. فصيانة الطرق، ووضع الإشارات والتحذيرات، وتشديد الرقابة على المخالفات، ومراقبة المركبات، وتطوير خدمات الإسعاف والتدخل السريع، كلها عناصر أساسية في منظومة متكاملة للسلامة الطرقية. وقد طُرحت بالفعل مطالب ومبادرات في هذا الاتجاه من طرف الفاعلين في مجال السلامة الطرقية.
ومع ذلك، تبقى الوقاية تبدأ من الإنسان نفسه. قبل أن ينطلق كل واحد منا في رحلة، عليه أن يتذكر أن هناك أسرة تنتظره في المنزل، وأطفالًا يحتاجون إليه، وأبًا أو أمًا قد يكونان في انتظاره، وأصدقاء لا يريدون أن يكون آخر خبر عنهم مأساة على الطريق.
فلنخفف السرعة، ولنكن أكثر صبرًا، ولنحترم الطريق وحق الآخرين في الحياة.
دقيقة واحدة من التأني قد تنقذ عمرًا كاملًا، وثواني قليلة من التهور قد تنهي حياة إنسان.
إن السلامة الطرقية ليست مسؤولية الشرطة ولا الدولة وحدها، بل مسؤولية كل سائق وكل راكب وكل مستخدم للطريق.
فلنكن جميعًا أكثر حذرًا، ولنجعل شعارنا في كل رحلة:
نصل متأخرين خيرٌ من ألا نصل أبدًا.
بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد




