عن وصية أوصي بها…وأعجز عن تطبيقها!/ محمد الامين الفاضل


ينتقدني كثيرون بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى هؤلاء المنتقدون بأن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت والتركيز، ولكي أعطي لهؤلاء المنتقدين حجة أقوى، فسأكشف لهم في هذه السطور عن نصيحة كثيرا ما أوجهها للشباب في الدورات التدريبية التي أقدمها، أطالبهم فيها بأن يتخصصوا في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، وينجحوا فيه، بل ويتميزوا، وأحذرهم دائما من تشتيت الجهد والوقت والتركيز في عدة مجالات، لأن ذلك التشتيت قد يحرمهم من النجاح في أي مجال، وقد يقلل ـ بالتالي ـ من مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، إن كانوا من المهتمين بالشأن العام.
تكرر تلك النصيحة، جعلني أتوقع مع كل دورة تدريبية أن يربكني أحد المشاركين بسؤال يقول فيه: لماذا توصينا دائما بوصية أنت آخر من يطبقها في حياته؟
في الحقيقة، لا أدري كيف غابت عن منتقدي فكرة، تنفيذها في غاية البساطة، ولو أنها نفذت لأضعفت حجتي إن حاولتُ الرد على المنتقدين، بل إنها قد تقطع لساني.
أذكر أني قرأتُ مرة عن قصة في غاية الغرابة، مفادها أن محاميا شهيرا قرر أن يتطوع بالدفاع عن شخص متهم بمحاولة قتله. ومع أني لستُ متأكدا من دقة الواقعة، إلا أني، وعلى طريقة المحامي المذكور في القصة، سأهدي لمنتقدي “فكرة انتقادية إبداعية” تبين بشكل قاطع حجم التناقض بين ما أنصح به الآخرين، وما أمارسه أنا على أرض الواقع. تتلخص الفكرة بإعداد مقطع مرئي قصير ـ على طريقة “الكيطاعة” ـ أظهر فيه وأنا أوجه نصائح للشباب بضرورة التخصص، ثم تظهر بعد ذلك لقطات في المقطع تناقض ما كنتُ أقول، حيث أظهر مرة وأنا في نشاط لحملة معا للحد من حوادث السير، ومرة في نشاط للحملة الشعبية للتمكين اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، ومرات أخرى، وأنا في نشاط لميثاق المواطنة، أو في نشاط للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، أو في نشاط لاكتشاف المواهب الشبابية وتنميتها، تنظمه جمعية خطوة للتنمية الذاتية.
قطعا، لا أملك أي حجة لأبرر بها أهمية تشتت الجهود، أو لأبين من خلالها فوائد عدم التركيز على مجال واحد، وكل ما أستطيع أن أقوله في هذا المجال، هو أنني أعاني بالفعل من “حالة مرضية” يبدو أنها ستصاحبني طويلا، وأني ـ وبالإضافة إلى الحالة المرضية ـ قد اتخذت التزاما شخصيا، أرهقني في الماضي كثيرا، وسيرهقني أكثر في المستقبل، إن كان في العمر بقية.
حالة مرضية
إني من الذين يعانون من حالة مرضية نادرة، تجعلهم غير قادرين على الاكتفاء بالتفرج، والاستمرار فيه، عندما يشاهدون خللا ما لا يجد من يهتم بتصحيحه، أو مشكلة ما لا تجد من يحاول حلها. فهل يعقل مثلا أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا نزيف الطرق؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا انتهاك مادة من دستور بلاده المصادق عليه منذ أكثر من ثلث قرن؟
وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا جرائم يرتكبها أطفال قصر أو شباب في مقتبل العمر تسربوا من المدرسة، ويتعاطون في الغالب المخدرات؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا تآكل قيم المواطنة الجامعة، وتصاعد الخطابات القبلية والفئوية والجهوية والعرقية، ثم لا يفعل شيئا على أرض الميدان ـ ولو قلَّ ـ لمواجهة كل هذه التحديات، والتي تكفي واحدة منها لتدمر بلدا بكامله، فكيف بها إذا اجتمعت في وقت واحد؟
لو أن من يوجه لي النقد بسبب تشتت الجهود، نزل إلى الميدان، واشتغل بواحد من هذه الملفات أو غيرها، لساعدني كثيرا، ولأغلق في وجهي بابا من أبواب تشتت الجهد.
التزام مرهق
لقد دفعني اهتمامي بالشأن العام إلى اتخاذ التزام شخصي أرهقني كثيرا خلال السنوات الماضية، والراجح أنه سيرهقني أكثر في المستقبل. يتلخص هذا الالتزام الشخصي في تقسيم التفاعل أو التعامل مع قضايا الشأن العام إلى ثلاثة مستويات، تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية، كما أنها تتفاوت كذلك من حيث المشقة وحجم الجهد المبذول.’
أول هذه المستويات، وهو الأهم والأصعب، وأبدأ به عادة كلما قررتُ أن اهتم بقضية ما، يتمثل هذا المستوى في النزول إلى الميدان، وبذل الجهد والوقت وربما المال إن وُجد، لإصلاح خلل قائم، بما توفر من وسائل مهما كانت بساطتها. وعندما تتعذر إمكانية النزول إلى الميدان، ألجأ إلى المستوى الثاني، والذي يتمثل في بذل جهد فكري لإيجاد مقترحات وحلول نظرية للقضية أو الملف محل الاهتمام، على أن يتم تقديم تلك المقترحات والحلول إلى الجهات المعنية القادرة على تنفيذها، سواء كانت تلك الجهات حكومية أو حزبية أو جمعوية، أو كانت مجرد أشخاص يمتلكون من الوسائل ما يكفي لمعالجة ذلك الخلل أو حل تلك المشكلة.
وإن تعذر النزول جسديا إلى الميدان، وعجزت القدرات الذهنية عن إيجاد مقترحات وحلول نظرية يمكن تقديمها للجهات المعنية لعلاج خلل قائم، يتم حينها اللجوء إلى المستوى الثالث، وهو المستوى الأدنى، أي مزاحمة نخبتنا في الساحة التي تجيد اللعب فيها (منطقة الراحة بلغة خبراء التنمية البشرية)، والتي يندر أن تخرج منها. إنها ساحة الاكتفاء بتوجيه النقد للآخر، سواء كان ذلك الآخر حكومة، وفي الغالب يكون حكومة، أو أحزابا أو منظمات مجتمع مدني أو شخصيات عامة.
إن التشتت الذي أعيشه ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به، في ظل غياب من يحاول سد تلك الثغرات بما لديه من وسائل وإمكانات.
إن المشكلة لا تكمن في أن لدي عشر قضايا أو ملفات أشتغل عليها في وقت واحد، بل إنها تكمن في أن الوطن يعاني من مئات المشاكل، وأن الكثير من أبنائه لا يفعل شيئا لحل تلك المشاكل، فلو كان في كل ثغر مرابط، لما اضطر أيٌّ منا للتنقل بين الثغور.
ختاما
سأبقى ـ رغم كل ما سبق ـ أكرر أمام الشباب النصيحة نفسها: لا تشتتوا جهودكم، وتخصصوا في مجال واحد، ولا تجعلوا من تجربتي الشخصية نموذجا يحتذى به؛ فما أعيشه ليس نموذجا يحتذى به، وإنما هو استثناء فرضته ظروف معينة اختلطت فيها حالة مرضية بالتزام شخصي قاس ومرهق.
حفظ الله موريتانيا…
محمد الأمين الفاضل
Elvadel@gmail.com