احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، برزت تحذيرات أمريكية من مخاطر أمنية محتملة في نواكشوط، غير أن قراءة هادئة للواقع تكشف فجوة واضحة بين هذه المخاوف والمعطيات الميدانية، في بلد ظل بعيدًا عن بؤر الصراع وقادرًا على تأمين استقراره ومحيطه الدبلوماسي.
فموريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وخياراتها السياسية، لم تكن يومًا طرفًا في نزاعات الشرق الأوسط، ولم تنخرط في تحالفات عسكرية ذات صلة، كما لا تحتضن قواعد أجنبية تجعلها هدفًا مباشرًا أو ساحة لتصفية الحسابات. وهو ما يضعف، منطقيًا، فرضية استهداف المصالح الأمريكية على أراضيها، في غياب دوافع حقيقية أو سياقات محفّزة.
كما أن طبيعة الحضور الأمريكي في موريتانيا تظل محدودة، تقتصر أساسًا على التمثيل الدبلوماسي وبعض برامج التعاون، وهي أنشطة لا تُعدّ، في العادة، مصدر توتر أو استهداف، خاصة عند مقارنتها بدول أخرى تشهد وجودًا عسكريًا أو انخراطًا مباشرًا في نزاعات إقليمية معقدة.
كما أن المبررات التي قد يُستند إليها لتوقع استهداف السفارة الأمريكية في نواكشوط تبدو، عند التدقيق، شبه منعدمة. فموريتانيا لا تحتضن أي امتدادات أو أذرع مرتبطة بإيران يمكن أن تُستثمر في مثل هذا السيناريو، كما أن موقفها من التوترات في الخليج ظل واضحًا ومتوازنًا، قائمًا على الحياد والدعوة إلى التهدئة وعدم الانخراط في محاور متصارعة. وهو ما يُسقط فرضية “الرسائل غير المباشرة” التي قد تلجأ إليها بعض الأطراف عبر استهداف مصالح دولية في ساحات بديلة، ويجعل الحديث عن تهديد محتمل في هذا السياق أقرب إلى الافتراض النظري منه إلى الاحتمال الواقعي.
في المقابل، راكمت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة خبرة معتبرة في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، واعتمدت مقاربة استباقية تجمع بين العمل الاستخباراتي، وضبط الحدود، والتنسيق الإقليمي. وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز الاستقرار الداخلي، وجعلت من البلاد نموذجًا نسبيًا للأمن في محيط مضطرب.
إن قدرة الدولة الموريتانية على تأمين البعثات الدبلوماسية ليست موضع تشكيك، بل هي جزء من التزاماتها السيادية ومسؤولياتها الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن التحذيرات الخارجية ينبغي أن تُفهم في إطار الإجراءات الاحترازية العامة التي تعتمدها الدول لحماية مصالحها، لا كتشخيص دقيق لوضع أمني خاص بموريتانيا.
وفي التعاطي مع مثل هذه التحذيرات، يبرز الواجب الوطني كعنصر حاسم في ترسيخ الوعي الجماعي وتحصين الجبهة الداخلية. فالمسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية فقط، بل تمتد إلى الإعلام والنخب والرأي العام، بما يفرض التعامل مع الأخبار بحذر ومهنية، وتجنّب الانسياق وراء التهويل أو ترويج الشائعات التي قد تسيء لصورة البلاد أو تُربك الطمأنينة العامة. إن تغليب روح المسؤولية يقتضي التثبت من المعطيات، ووضعها في سياقها الصحيح، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، بما يحفظ لموريتانيا صورتها كبلد مستقر، ويمنع تحويل التحذيرات العابرة إلى أزمات معنوية غير مبررة.
وعليه، فإن تضخيم احتمال استهداف السفارة الأمريكية في نواكشوط قد يخلق انطباعًا غير دقيق عن واقع الاستقرار في البلاد، وهو أمر لا يخدم صورتها ولا يعكس حقيقة ما تحقق من يقظة أمنية ونجاعة في إدارة المخاطر.
في عالم تتشابك فيه التهديدات، تبقى اليقظة مطلوبة، لكن دون الانزلاق إلى التهويل. فموريتانيا ليست ساحة صراع، ولا هدفًا استراتيجيًا في نزاعات الشرق الأوسط، بل دولة مستقرة، قادرة على حماية أرضها وضيوفها، ضمن مقاربة متوازنة تجمع بين الحزم والواقعية.




