
في لحظة إقليمية بالغة الاضطراب، حيث تتقاطع نيران المواجهة مع التحولات الجيوسياسية العميقة في الشرق الأوسط، اختار مستشار القائد الأعلى الإيراني، Ali Larijani، أن يبعث برسالة مكاشفة صريحة إلى العالم الإسلامي.
رسالة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تعليق سياسي على تطورات عسكرية عابرة، بل باعتبارها محاولة واعية لإعادة صياغة السؤال المركزي الذي يواجه الأمة اليوم: أين يقف العالم الإسلامي حين تُطرق أبوابه لحظة الاختبار؟
فالرسالة، ببنودها الستة، لا تبدو كبيان دبلوماسي تقليدي، بل أقرب إلى وثيقة إقامة حجة؛ نص يحاول أن يضع قادة المنطقة أمام مرآة التاريخ، في لحظة تتكثف فيها الأسئلة حول معنى التضامن الإسلامي، وحدود السيادة الوطنية، ومستقبل الصراع مع إسرائيل.
في خطابه، لم يكتفِ لاريجاني بلغة المصالح الباردة التي تحكم عادة بيانات السياسة، بل سعى إلى إعادة الصراع إلى مربعه الوجودي الأول: رابطة الدين والمصير المشترك.
فباستحضاره الحديث النبوي الشريف حول نصرة المستغيث، لم يكن الرجل يستدعي التراث بوصفه زخرفة خطابية، بل باعتباره مرجعية أخلاقية حاكمة؛ وكأنه يقول إن الصراع القائم لم يعد مجرد نزاع حدود أو صراع نفوذ، بل اختبار لمدى بقاء فكرة الأمة نفسها.
ومن هنا جاء نقده الضمني للحالة العربية-الإسلامية، حيث تحولت القمم الطارئة والبيانات الختامية إلى طقوس سياسية متكررة، بينما تستمر الوقائع على الأرض في فرض معادلات مختلفة تماماً.
واللافت في رسالة لاريجاني أنها لم تكتب بلغة الاستغاثة، بل بلغة الثقة.
فالرجل يتحدث من موقع يرى أن ما يسميه نهج المقاومة قد تجاوز مرحلة الدفاع إلى مرحلة إعادة تشكيل ميزان القوى.
وهنا يتجلى البعد الأعمق للرسالة: إيران – في سرديتها – لا تطلب نصرة من موقع ضعف، بل تدعو دول المنطقة إلى أن تكون شريكة في لحظة التحول التاريخي، لا متفرجة عليها.
إنها دعوة مبطنة إلى إعادة النظر في خريطة التحالفات الإقليمية، وفي الافتراضات القديمة التي قامت عليها بنية الأمن في الشرق الأوسط منذ عقود.
لكن أكثر ما يثير الانتباه في خطاب لاريجاني هو تساؤله الحاد حول مفهوم السيادة.
فالرجل يطرح سؤالاً يكاد يكون محرِجاً: كيف يمكن مطالبة دولة تتعرض للهجوم بضبط النفس، بينما تتحول جغرافيا بعض الدول المجاورة إلى منصات عسكرية تُستخدم لضربها؟
إن هذا السؤال يتجاوز النقد السياسي المباشر ليصل إلى عمق أزمة النظام الإقليمي نفسه؛ نظام يرفع شعار السيادة الوطنية، لكنه في الوقت ذاته يستضيف منظومات أمنية أجنبية تتحكم في جزء من قراره الاستراتيجي.
وإدراكاً منه لحساسية الخطاب الإيراني في العالم العربي، حرص لاريجاني في رسالته على تفكيك الاتهام الأكثر تكراراً ضد بلاده: السعي إلى الهيمنة.
فقد قدم إيران بوصفها “ناصحة لا وصية”؛ دولة تقول إنها لا تسعى إلى قيادة العالم الإسلامي بقدر ما تسعى إلى تحفيزه لاستعادة قراره المستقل.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فالخطاب الإيراني يحاول أن يقدم نفسه بوصفه مشروع استقلال إقليمي، في حين يرى خصومه فيه مشروع نفوذ موازٍ.
لكن، بعيداً عن السجال السياسي، تبقى رسالة لاريجاني في جوهرها محاولة لطرح سؤال تاريخي ثقيل:
هل ما زال العالم الإسلامي قادراً على التصرف ككتلة حضارية متماسكة، أم أن حدود الدولة الوطنية قد أصبحت الإطار النهائي الذي لا يمكن تجاوزه؟
بهذا المعنى، قد لا تكون الرسالة مجرد خطاب سياسي، بل محاولة لتسجيل موقف أمام التاريخ؛
فحتى لو لم تجد صدى فورياً لدى الحكومات، فإنها تضعها أمام امتحان أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله طويلاً.
وهكذا تبقى الرسالة معلقة بين احتمالين:
إما أن تكون صرخة في وادٍ عربي-إسلامي مثقل بالانقسامات،
وإما أن تتحول – مع مرور الزمن – إلى وثيقة إقامة حجة تُستعاد كلما طُرح سؤال المسؤولية عن لحظة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة.




