
لا نعتقد أن هناك من يجادل في أن الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، يمثل الحالة الأكثر اندفاعاً ووضوحاً في حماية الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن أطماعه التوسعية. فهو بلا شك الأكثر تماهياً مع التيارات الإسرائيلية المتطرفة، والأقل اكتراثاً بحقوق السكان الأصليين الذين واجهوا التهجير والإبادة على أرضهم.
إن دعم ترامب لليمين الصهيوني تجاوز سقف الدعم التقليدي الذي عرفته الإدارات الأمريكية السابقة؛ حيث كان ذلك الدعم يحافظ -ولو شكلياً- على مسافة معينة أو تمايز في بعض المواقف.
لكن ترامب كسر هذه التقاليد، محولاً السياسة الأمريكية من مجرد حليف سياسي وممول عسكري إلى شريك عضوي في كل التفاصيل؛ بما في ذلك مباركة العمليات العسكرية وحصار المدنيين في غزة ولبنان، وتدمير البنى التحتية من مستشفيات ومدارس، دون أدنى اعتبار للقوانين الدولية.
وتأتي الهجمة الشرسة الراهنة على الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها في المنطقة، ضمن مخطط يرمي لإخضاع المنطقة “للطغمة الحاكمة” في تل أبيب. وهو مخطط يتطلب إنهاء آخر العقبات أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”؛ ذلك المشروع الذي مهد له ترامب ونتنياهو عبر أطروحات “الإبراهيمية” التي تهدف في جوهرها إلى تمييع الهوية الإسلامية ونزع حصانة القيم الدينية للأمة، تمهيداً لدمج المنطقة في كيان تقوده إسرائيل.
إن إيران وحلفاءها يمثلون اليوم حائط الصد الأخير أمام العالم الذي ينشده ترامب ونتنياهو والتيار الإنجيلي الصهيوني؛ عالم تكتمل فيه سيادتهم واستبدادهم المطلق. لذا، فإن الواجب القومي والديني يفرض الاصطفاف مع قوى المقاومة في وجه هذا “التسونامي” من الهيمنة والتهميش.
فلا خيار أمام أي حر عاقل سوى التمتع بالفطنة للتمييز بين مشروع المقاومة وبين مشروع الظلم والإجرام الصهيوني وحلفائه.
أما التحجج بالاختلاف المذهبي بين السنة والشيعة، أو التذرع بالخلافات التاريخية بين العرب والفرس، أو حتى استحضار مآسي الماضي كحرب الثمان سنوات بين العراق وإيران، فكلها حجج واهية في ظل التحدي الوجودي الراهن. إن التاريخ مليء بالحروب بين الشعوب المتجاورة -كما حدث بين فرنسا وألمانيا وروسيا- لكن ذلك لم يكن يوماً قدراً لعداوة أبدية، فالماضي لا يجوز أن يصادر الحاضر.
إن الاقتتال السابق بين القوى المعادية للصهيونية كان من أخطاء الماضي التي لا ينبغي أن تُستخدم اليوم لتثبيط العزائم أو تشتيت الأذهان عن العدو المشترك. هذا الظرف الزماني له أحكامه ومتطلباته، وهي وحدة الصف في وجه المشروع الصهيوني؛ فمن لم يكن مع المقاومة اليوم فقد وجد نفسه -وعياً منه أو جهلاً- في خندق نتنياهو وترامب.
أما من يحاول المساواة بين الطرفين فقد جانب الصواب، فالمعركة اليوم تتجاوز التفاصيل لتمس جوهر السيادة والكرامة.
إننا على قناعة بأن من يحكمه العقل والمصلحة العليا للأمة، بعيداً عن الدوافع المادية الضيقة، سيصل حتماً إلى رؤية الصواب إذا ما أعاد دراسة المعطيات والمآلات بعمق وإنصاف.




