
يُعدّ الحوار الوطني أحد أهم الآليات السياسية السلمية لمعالجة الأزمات البنيوية التي تواجه الدول، ولا سيما في المجتمعات ذات التركيبة الاجتماعية والثقافية المتعددة، كما هو الحال في موريتانيا. وفي هذا السياق، تبرز النخب السياسية بوصفها الفاعل المركزي في إنجاح هذا الخيار، ليس فقط من خلال المشاركة الشكلية، بل عبر الاضطلاع بمسؤولياتها الفكرية والأخلاقية والسياسية تجاه المجتمع.
إن واجب النخب السياسية الموريتانية في المرحلة الراهنة يتمثل، أولًا، في تبنّي الحوار باعتباره خيارًا استراتيجيًا لا ظرفيًا، وأداة لإنتاج توافقات وطنية مستدامة، لا مجرد وسيلة لإدارة الخلاف أو احتوائه مؤقتًا. وقد أثبتت التجربة السياسية الوطنية أن تغييب الحوار، أو التعامل معه بوصفه إجراءً شكليًا، يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق حالة عدم الثقة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع.
ومن منظور تحليلي، يُفترض في النخب السياسية أن تسهم في إعادة تعريف المجال السياسي من منطق الصراع الصفري إلى منطق التفاوض العقلاني القائم على المصالح العامة. ويتطلب ذلك الارتقاء بالخطاب السياسي، والابتعاد عن النزعات الشعبوية والتعبئة الهوياتية، والعمل على إنتاج خطاب جامع يؤسس للثقة المتبادلة ويعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما تتحمّل النخب مسؤولية تأطير الحوار ضمن أولويات واضحة وقابلة للتنفيذ، تشمل ترسيخ دولة القانون، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتكريس العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة السياسية، ومعالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بالحكامة الرشيدة ومكافحة الفساد. فنجاح الحوار لا يُقاس بحجم التوافق الشكلي، بل بمدى قدرة مخرجاته على التحول إلى سياسات عمومية فعّالة تُلامس واقع المواطنين.
وفي هذا الإطار، يبرز دور النخب في بناء الثقة السياسية والمؤسسية بوصفها شرطًا أساسياً لإنجاح أي مسار حواري. وتتحقق هذه الثقة من خلال الالتزام الواضح بقواعد الحوار، وتوفير الضمانات القانونية والسياسية لإنفاذ مخرجاته، واحترام مبدأ الشراكة بين مختلف الأطراف، بما يعيد الاعتبار للعمل السياسي في نظر الرأي العام.
ويقتضي دعم الحوار الوطني أن تعمل النخب السياسية الموريتانية على توسيع قاعدته الاجتماعية، عبر إشراك الشباب، والنساء، والمجتمع المدني، والفاعلين المحليين، بما يضمن تمثيلًا أكثر شمولًا للتنوع المجتمعي، ويحول دون احتكار القرار السياسي من قبل دوائر ضيقة أو نخب معزولة عن الواقع الاجتماعي.
ومن الزاوية الأخلاقية، تمثل القدوة السياسية عنصرًا حاسمًا في إنجاح الحوار. فالتزام النخب بقيم النزاهة، والشفافية، واحترام القانون، يرسخ الشرعية الأخلاقية للمسار الحواري، ويسهم في إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وهي ثقة تضرّرت بفعل تراكم الإخفاقات والتجارب غير المكتملة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، فإن إنجاح الحوار الوطني يقتضي جملة من الالتزامات العملية المشتركة. فعلى النخب السياسية أن تُظهر استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات متبادلة ومدروسة، وأن تعتمد خطابًا مؤسسيًا مسؤولًا يغلّب منطق التوافق على منطق الغلبة. كما تتحمّل السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة مسؤولية توفير الضمانات القانونية والسياسية، والالتزام بتنفيذ مخرجات الحوار ضمن آجال زمنية واضحة وآليات متابعة قابلة للتقييم.
وفي المقابل، تُطالب الأحزاب السياسية بالانتقال من منطق الاصطفاف الحاد إلى منطق البناء التشاركي، وإشراك قواعدها في بلورة المواقف المرتبطة بالحوار، بما يعزز شرعية العملية السياسية. كما يضطلع المجتمع المدني والنخب الفكرية والإعلامية بدور محوري في التأطير والتوعية والمواكبة النقدية البنّاءة، بما يرسخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف.
ولا يكتمل هذا المسار دون انخراط إيجابي من المواطنين أنفسهم، عبر دعم الخيارات السلمية والتوافقية، والمشاركة الواعية في النقاش العمومي، وممارسة الضغط المدني المشروع من أجل تنفيذ مخرجات الحوار، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي السلبي.
وخلاصة القول، إن الحوار الوطني في موريتانيا ليس خيارًا تكتيكيًا ولا استحقاقًا عابرًا، بل هو مسؤولية وطنية جماعية وفرصة تاريخية لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس أكثر عدلًا وشمولًا واستقرارًا. ويبقى الرهان الأساسي معقودًا على وعي النخب السياسية بواجبها تجاه المجتمع، وقدرتها على تحويل الحوار من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية منتجة للإصلاح والتنمية.




