أوضاع المعلمين في موريتانيا وتأثيرها على جودة التعليم (تقرير )

الريادة:  يمثل قطاع التعليم في موريتانيا حجر الزاوية لأي مشروع تنموي طموح، إذ لا يمكن تحقيق النمو الاقتصادي المستدام ولا تعزيز التماسك الاجتماعي دون نظام تعليمي قوي وفعّال.

 وفي قلب هذا النظام، يقف المعلم باعتباره المحرك الأساسي للعملية التعليمية وصانع الفارق في جودة التعلم ومخرجاته.

غير أنّ واقع المعلمين اليوم يواجه تحديات متشابكة، تتراوح بين ضعف الحوافز المادية، وقصور التكوين المهني، وتحديات بيئة العمل المتردية، وصولًا إلى غياب مسارات واضحة للترقي والتطوير الوظيفي.

هذه الإشكالات لا تؤثر فقط على المعلم نفسه، بل تمتد لتنعكس سلبًا على أداء التلاميذ، وعلى قدرة الدولة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد والمنصف.

وتتجلى خطورة الوضع في مؤشرات الأداء التعليمي التي تكشف عن فجوة كبيرة بين الطموح والواقع؛ إذ لا تزال نسب الإلمام بالمهارات الأساسية في القراءة والرياضيات منخفضة، ومعدلات التسرب مرتفعة، في ظل بيئات مدرسية تفتقر إلى أبسط الموارد الأساسية. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن إصلاح أوضاع المعلمين ليس مجرد مطلب نقابي أو مهني، بل ضرورة وطنية واستراتيجية لضمان مستقبل الأجيال القادمة.

نهدف في هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة لأبرز جوانب وضعية المعلمين في البلاد، من خلال تشخيص دقيق للتحديات المادية والمهنية والتنظيمية، واستعراض انعكاساتها على جودة التعليم. وفي الختام، نقترح حزمة إصلاحات جذرية وشاملة تستند إلى الأدلة والتجارب الدولية، وتنسجم مع التوجهات الوطنية كـ”المدرسة الجمهورية” والخطة الوطنية لتطوير التعليم (PNDSE III). إنّ هذه الإصلاحات، إذا ما نُفّذت بفعالية، يمكن أن تحوّل مهنة التعليم إلى رافعة حقيقية للتنمية، وتعيد الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً للإنصاف والتميز.

أولاً: التحديات الجوهرية التي تواجه المعلمين

  • تتراكم التحديات التي يواجهها المعلمون بين البعد المادي، وبيئة العمل، والتدريب المهني، مما يؤثر بشكل مباشر على دافعيتهم واستقرارهم الوظيفي.
  • 1. الإشكاليات المالية والرواتب:
  • يختلف راتب المعلم في موريتانيا بناءً على الدرجة الوظيفية، وسنوات الخبرة، والمستوى التعليمي. وعلى الرغم من الزيادات المعلنة، تبقى القيمة الحقيقية للرواتب وملاءمتها لتكاليف المعيشة المتصاعدة هي نقطة الخلاف الرئيسية.

الزيادات الأخيرة:

  • في عام 2022، أعلن رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني عن زيادة عامة بنسبة 20% في رواتب موظفي الدولة، بما في ذلك المعلمون.
  • في نوفمبر 2024، تم تخصيص علاوة شهرية إضافية قدرها 20,000 أوقية قديمة (ما يعادل 2000 أوقية جديدة) لمعلمي السنة السادسة من التعليم الأساسي.
  • الرواتب الشهرية وفق مذكرة الميزانية (ديسمبر 2022): توضح الأرقام أن جزءًا كبيرًا من دخل المعلم يعتمد على العلاوات والمكافآت، مما يجعل الراتب الأساسي الصافي منخفضًا نسبياً وغير مجزٍ مقارنة بالمهام الموكلة إليه.
الفيئة الوظيفيةالراتب الصافي (الأوقية القديمة)المستوى التعليمي
معلم مكتمل107000باكالوريا
معلم رئيس117000باك + 3 سنوات
معلم مساعد  104000 شهادة ختم الدروس الاعدادية

صوت من الميدان:  يشير العديد من المعلمين إلى أن الدخل الحالي لا يغطي بالكاد نفقات المعيشة الأساسية، حيث صرّح أحد المعلمين لـ “الريادة” (طالباً عدم الكشف عن هويته): “كيف يمكنني التركيز على بناء الأجيال وأنا مهموم بتوفير إيجار المنزل ومستلزمات أسرتي؟ هذا القلق يلاحقنا داخل الفصل”.

ملاحظة تاريخية واقتصادية:  نشير إلى أن راتب المعلم زمن الرئيس المؤسس المختار ولد داداه كان حينها يساوي 10% من راتب رئيس الجمهورية آنذاك.

وعلى الرغم من كل شيء، يبقى راتب المعلم في جميع الأحوال متواضعًا مقارنة بمهمته النبيلة المتمثلة في تنشئة الأجيال المناط بها تولي مسؤولية قيادة الدولة في جميع القطاعات.

2. بيئة العمل والبنية التحتية :

على الرغم من المساعي الحكومية المعلنة، لا يزال واقع العديد من المؤسسات التعليمية في موريتانيا يشير إلى نقص حاد في التجهيزات الأساسية وتردي البنية التحتية (نقص الفصول، غياب المرافق الصحية، الاكتظاظ). هذه الظروف المادية القاسية تخلق عبئًا إضافيًا على المعلمين وتعيق قدرتهم على أداء واجباتهم التعليمية بكفاءة وفاعلية.

3. قصور برامج التدريب والتطوير المهني:

يواجه المعلمون نقصًا في الفرص المتاحة لتطوير مهاراتهم وقدراتهم التدريسية بشكل مستمر ومواكب للمناهج الحديثة. هذا القصور في برامج التدريب والتأهيل يؤثر سلبًا على قدرتهم على تبني أساليب تدريس متجددة والتعامل مع التحديات التعليمية المعاصرة.

4. الاحتقان المهني والإضرابات المتكررة:

يعكس لجوء المعلمين المتكرر إلى الإضرابات والاحتجاجات عمق الاستياء والإحباط الناتج عن الأوضاع الصعبة التي يواجهونها. هذه التحركات المطلبية، وإن كانت تعبيرًا عن حقوق مشروعة، تؤدي إلى تعطيل العملية التعليمية وتؤثر سلبًا على استقرار النظام التعليمي وفاعليته.

ثانياً: التأثيرات السلبية على جودة التعليم

إن التحديات الهيكلية التي يواجهها المعلمون تنعكس بشكل مباشر وخطير على جودة التعليم المقدم للطلاب، مما يهدد مستقبل الأجيال:

  • تراجع الأداء: يؤدي تراجع الدافع لدى المعلم، وشعوره بالإحباط وعدم الاستقرار الوظيفي، إلى تراجع حتمي في أدائه داخل الفصل الدراسي، وغياب الحماس اللازم لنقل المعرفة بفعالية.
  • هجرة الكفاءات: تسهم الظروف غير المواتية في صرف الكفاءات المتميزة عن مهنة التعليم، أو دفعهم للبحث عن فرص أفضل خارج القطاع العام، مما يؤدي إلى نقص في الكوادر المؤهلة وتأثير سلبي على الجودة النوعية للتعليم.
  • التأثير على التحصيل: يؤثر ضعف الأداء وعدم الاستقرار الوظيفي للمعلمين سلبًا على التحصيل الأكاديمي للطلاب وقدرتهم على اكتساب المعارف والمهارات الأساسية، الأمر الذي يهدد مخرجات التعليم الوطنية ويزيد من الفجوة المعرفية.

ثالثاً: الحاجة الملحة للإصلاح الشامل والتوصيات

تتطلب معالجة هذه الأوضاع إجراء إصلاحات جذرية وعاجلة في نظام التعليم في البلاد، تركز بالدرجة الأولى على تمكين المعلم وتحسين بيئته المهنية والمعيشية.

مطالب الإصلاح الشامل:

  1. إقرار زيادات جوهرية في رواتب المعلمين: لجعل المهنة أكثر جاذبية وتنافسية، واستقطاب والحفاظ على الكفاءات النوعية.
  2. تخصيص موارد كافية لتحسين البنية التحتية للمدارس: وتوفير بيئة عمل وتعليم لائقة ومجهزة بالحد الأدنى من الوسائل والمرافق الضرورية.
  3. إطلاق برامج تدريب وتطوير مهني مستدامة وفعالة: لمساعدة المعلمين على مواكبة التطورات المنهجية والتقنية في مجال التعليم.
  4. فتح قنوات حوار بناءة مع ممثلي المعلمين: والتعامل بشفافية مع مطالبهم والعمل على تلبيتها بشكل عادل ومنصف.
  5. وضع استراتيجية وطنية شاملة للارتقاء بمهنة التعليم: وتعزيز مكانة المعلم الاجتماعية والمهنية في المجتمع.

كخلاصة جامعة في هذا الإطار، وسعياً لإصلاح العملية التعليمية بشكل فعّال يتناسب مع متطلبات العصر، يتوجب تضافر جهود الحكومة الموريتانية، وكافة العاملين في الحقل التربوي، ومنظمات المجتمع المدني، وأولياء أمور التلاميذ والطلاب، للعمل جنباً إلى جنب للنهوض بالمنظومة التربوية، خاصة في ظل المشروع الوطني الطموح لـ المدرسة الجمهورية الذي أعلنه رئيس الجمهورية منتصف مأموريته الأولى.

ويتطلب ذلك القيام بما يلي بشكل عاجل وممنهج:

  • تعزيز التمويل: تخصيص ميزانية أكبر لقطاع التعليم، مع تركيز استثماري واضح وموجه نحو تحسين أوضاع المعلمين وتوفير الحوافز المادية الضرورية.
  • تطوير البنية التحتية: وضع خطة وطنية شاملة ومحددة زمنياً لتحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.
  • تقدير المكانة: إطلاق مبادرات وطنية لتقدير دور المعلم وتعزيز مكانته الرمزية في المجتمع، ودعم دوره القيادي كمربي وموجه.
  • إشراك الشركاء الاجتماعيين: تفعيل دور النقابات والجمعيات الممثلة للمعلمين كشركاء أساسيين في صياغة وتنفيذ وتقييم الإصلاحات التعليمية.
  • التقييم والمساءلة: قياس أثر الإصلاحات بشكل دوري وممنهج، وتقييم مدى فعاليتها في تحسين أوضاع المعلمين وجودة التعليم، لضمان المساءلة والتحسين المستمر.

للريادة: تقرير بلال عالي أعمر لعبيد