محاربة الفساد… من الخطاب إلى القرار/ بقلم: محمد عبد الرحمن سيداتي اجيه

محمد عبد الرحمن سيداتي اجيه رئيس الائتلاف التربوي الموريتاني

منذ أشهر ، وقف الوزير الأول المختار ولد أجاي أمام البرلمان ليعرض برنامج حكومته ، مؤكدا – في معرض حديثه عن محور الفساد – أن محاربته “ضرورة، وقناعة، وإرادة، وقرار”.
كانت العبارة حينها مكثفة في كلماتها، عميقة في معناها، تجسد في ذات الوقت التزاما سياسيا واضحا بأن معركة الفساد ستكون في صميم العمل الحكومي ، لا في هوامشه.
واليوم ، وبعد صدور تقرير محكمة الحسابات وما تبعه من إقالات في مجلس الوزراء الثلاثاء الماضي ، يتأكد أن تلك الكلمات لم تكن مجرد شعار سياسي ، بل رؤية جادة بدأت تتحول إلى واقع ملموس ، بتوجيهات واضحة وصارمة من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ، الذي جعل من الشفافية والحكامة الرشيدة ركنا أساسيا في مشروعه الوطني للإصلاح والتحديث.

من الخطاب إلى الممارسة

حين تحدث الوزير الأول أمام البرلمان، كان خطابه بمثابة إعلان نوايا يضع محاربة الفساد في مرتبة الضرورة الوطنية ، باعتبارها التزاما أخلاقيا ومؤسسيا لا يحتمل التأجيل.
واليوم ، تؤكد القرارات الأخيرة أن الحكومة تسير بخطوات عملية وجريئة في هذا الاتجاه ، وأن التوجيهات العليا لرئيس الجمهورية تجد طريقها إلى التنفيذ من خلال أجهزة الدولة الرقابية والتنفيذية ، بما يعكس جدية النظام في بناء إدارة قائمة على النزاهة والمساءلة.

القناعة والإرادة كأرضية للإصلاح

حين تحدث الوزير الأول عن “القناعة” و”الإرادة”، كان يرسم خريطة إصلاح داخلي عميقة.
فالقناعة بأن الفساد خطر على كيان الدولة تمثل منطلق الإصلاح الحقيقي ، والإرادة السياسية هي ما يميز الحكومات التي تتخذ القرار وتتحمل كلفته عن تلك التي تكتفي بالخطاب.
واليوم ، تظهر الإرادة بوضوح في الإجراءات المتخذة لمحاسبة المسؤولين، أيا كانت مواقعهم ، ما يعكس توجها جديدا نحو الشفافية الشاملة والمسؤولية المشتركة.

القرار: من القول إلى الفعل

حين وصف الوزير الأول محاربة الفساد بأنها “قرار”، كان يدرك أن الإصلاح لا يكتمل بالنوايا ، بل بالفعل.
وما نشهده اليوم من إجراءات ملموسة عقب تقرير محكمة الحسابات يبرهن أن الدولة انتقلت من مرحلة الخطاب إلى مرحلة التنفيذ ، وأن المساءلة لم تعد حبرا على ورق ، بل ممارسة مؤسسية حقيقية.
إنها رسالة مزدوجة واضحة:

إلى المواطن ، بأن ثقته في مؤسسات بلاده في محلها.

وإلى المسؤول ، بأن لا مسؤولية دون محاسبة ، ولا حصانة أمام القانون.

نحو ترسيخ ثقافة المساءلة

لم تعد محاربة الفساد مجرد حملة عابرة أو استجابة ظرفية، بل أصبحت توجها قويا في فلسفة الحكم.
فمحكمة الحسابات، بجرأتها ووضوحها ، والحكومة ، بقراراتها اللاحقة ، تعيدان صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة:
لا استثناء في وجه القانون، ولا تنمية من دون نزاهة.

لكن التحدي الأكبر – كما يؤكد المراقبون – هو ضمان شمولية هذا النهج واستمراريته، حتى يتحول من سياسة ظرفية إلى ثقافة مؤسسية دائمة تحافظ على المال العام وتكرس الثقة بين الدولة والمواطن.

خاتمة

تتضح اليوم دلالات عبارة الوزير الأول أمام البرلمان:
“محاربة الفساد ضرورة، وقناعة، وإرادة، وقرار.”
فما كان في الماضي إعلانا سياسيا أصبح اليوم واقعا إداريا ، وما كان وعدا صار نهجا مؤسسيا.
لقد دخلت موريتانيا مرحلة جديدة من الإصلاح الجاد ، تقاس فيها الثقة العامة بصدق الفعل لا بجمال الخطاب.
وإذا استمر هذا النهج في ظل التوجيهات الرئاسية لفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ، فإن معركة الفساد ستتحول من شعار إلى خيار وطني شامل ومستدام ، يضع أسس دولة العدالة والشفافية والمساءلة ‘ وهذا ما ينتظره كل الموريتانيين.