الريادة

الكوليرا يتسلل إلى مخيمات شمال سوريا

مخيم بمحيط مدينة أعزاز

لم يعد وصول مرض “الكوليرا” إلى مخيمات شمال غرب سوريا “أمرا متوقعا” بل بات “حقيقة”، وفق أطباء وعاملين في المجال الإنساني، بعد تسجيل 3 إصابات في منطقة كفرلوسين بريف محافظة إدلب، فيما يتم إجراء اختبارات لعشرات الحالات المشتبه بها.

ورغم أن فاشية المرض باتت موجودة في معظم المناطق والمحافظات السورية، وخاصة في شرق البلاد، إلا أن تسللها للمخيمات قد يسفر عن “وضع كارثي”، لاعتبارات تتعلق بهشاشة القطاع الطبي فيها من جهة، ولفقدانها البنى التحتية من مصادر مياه آمنة وشبكات صرف صحي، من جهة أخرى.

ووفق بيان نشره فريق “منسقو الاستجابة في الشمال السوري” أعلن أن “مخيمات الشمال السوري دخلت مرحلة الخطر، بشكل كبير، بعد تسجيل الإصابات”.

وحذر مدير الفريق الإنساني، محمد حلّاج من توسعها بشكل كبير، و”عدم القدرة على السيطرة على الانتشار”، بسبب “ضعف الإمكانيات اللازمة لمواجهة المرض”، مشيرا إلى أنهم أطلقوا سابقا نداء لتمويل عاجل للمخيمات في قطاع المياه والإصحاح، وذلك لاحتواء الكوليرا قبل تحول المخيمات إلى “بؤرة انتشار للمرض”.

وتشير إحصائيات “برنامج الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة” إلى أن عداد الإصابات في شمال وشرق سوريا تخطى حاجز الـ4000 إصابة في الأيام الماضية، بينما بلغ عدد الوفيات 18، في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” الكردية.

وفي مناطق شمال غرب سوريا، التي تشمل ريف حلب وإدلب، تم تسجيل 58 إصابة بالمجمل، بعد الكشف عن 19 حتى يوم الاثنين. أما في “نبع السلام” التي تضم مدينتي رأس العين وتل أبيض فقد سجلت في إحصائية أخيرة 50 إصابة.

ويقول الطبيب محمد سالم، وهو رئيس برنامج “الإنذار المبكر”، لموقع “الحرة” إن تضاعف الحالات “أمر خطير”، وإن “الكوليرا بات أمرا واقعا في شمال غرب سوريا، ولم يعد متوقعا”.

يضيف سالم: “الفاشية انتشرت في كل المناطق السورية، وما يزيد من الخطر أننا في آخر فصل الصيف. هناك جفاف كبير، ومقبلين على الأمطار، وبالتالي زيادة التلوث القادم من شبكات الصرف الصحي”.

وتحدث الطبيب السوري فيما يتعلق بمخيمات النازحين أن “هناك هشاشة في القطاع الصحي وضعف إمكانيات في البنى التحتية. المخيمات تفتقد لشبكات الصرف الصحي ومصادر المياه الآمنة، وفي محيطها مدن أنشئت دون دراسات هندسية”.

ويظهر “الكوليرا” عادة في مناطق سكنية تعاني شحا في مياه الشرب، أو تنعدم فيها شبكات الصرف الصحي. وغالبا ما يكون سببه تناول أطعمة أو مياه ملوثة، ويؤدي إلى الإصابة بإسهال وتقيؤ.

وكانت الإصابات الأولى قد تركزت في المناطق القريبة من نهر الفرات، والذي تعتقد الأمم المتحدة أنه مصدر انتشار الوباء، بسبب شرب الأشخاص مياه غير آمنة من النهر، واستخدام المياه الملوثة لري المحاصيل، ما أدى إلى تلوث الغذاء.

“لا خطوط دفاعية”

وسجلت سوريا عامي 2008 و2009 آخر موجات تفشي المرض في محافظتي دير الزور والرقة. وبعد نزاع مستمر منذ 11 عاما، تشهد البلاد أزمة مياه حادة، على وقع تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ما دفع الكثير من المواطنين للاعتماد على مياه شرب غير آمنة، وبالأخص من نهر الفرات.

وقد أثبتت التحاليل النهائية الأخيرة لعينات من النهر وجود “ضمات الكوليرا فيه”، وفق ما قال رئيس “هيئة الصحة” في الإدارة الذاتية، جوان مصطفى، في وقت سابق لـ”الحرة”.

وأضاف أن “استمرار انخفاض مستوى المياه في النهر سيؤدي إلى زيادة الإصابات. سيصبح بؤرة لانتشار الأمراض في المنطقة”، وأن “هناك أمور يجب أن تحدث على عجالة. في الحسكة يوجد مليون نسمة. هذه المنطقة خطيرة، وهناك مخاوف من خروج المرض عن السيطرة”.

بدوره يوضح الرئيس المشارك لـ”الهلال الأحمر الكردي”، الطبيب، حسن أمين، أن “أسباب زيادة الإصابات تتعلق بأن السبب الكامن وراء المرض لم يزول حتى الآن، وهو تلوث المياه التي يحصل عليها المواطنون من نهر الفرات، فضلا عن تلوث الأطعمة والخضراوات”.

ويضيف الطبيب لموقع “الحرة”: “مستوى نهر الفرات منخفض جدا، والمستنقعات التي تشكلت على حالها. الناس تستمر بالشرب منها، ومن خلال الصهاريج غير المعقمة”.

ورغم أن الوضع في شرق سوريا حيث تسيطر “الإدارة الذاتية” يبدو كارثيا، نظرا لأرقام الإصابات التي تجاوزت الأربعة آلاف، إلا أن مناطق غرب البلاد ليست بمعزل عن ذلك أيضا، بحسب مدير البرامج في “منظمة الأمين” الإنسانية، الدكتور رامي كلزي.

ويوضح كلزي لموقع “الحرة” أن “الإصابات بشكل عام مصدرها المياه الملوثة، خاصة الجوفية، ما ينذر بانتشار سريع للوباء في بيئة مثل المخيمات، حيث تغيب البنى التحتية، بينما تشح الموارد”.

ويضيف الطبيب السوري: “بالتالي فإن الخط الدفاعي الأول غائب تقريبا. الكوليرا بطبيعته مرض سريع الانتشار، ولذلك سنعتمد على الخط الثاني لمكافحته. وهو إدارة الحالة”.

وتنقسم الإصابات المسجلة حتى الآن في شمال غرب سوريا إلى “لا عرضية” بنسبة 80 في المئة، وعرضية القسم الأكبر منها متوسطة وشديدة. “الإصابات الشديدة إذا لم تعالج بشكل مناسب قد تصل نسبة الوفيات إلى 50 في المئة”.

ويشير الطبيب في “منظمة الأمين” إلى أنهم بدأوا بتدريبات للكوادر في تركيا والفرق الميدانية العاملة في سوريا، كما يعملون على تجهيز 9 وحدات عزل لإدارة الحالة بسعة 300 سرير وربما تصل إلى 500.

ويتابع “هذه المراكز تتطلب شروطا خاصة من حيث البعد عن السكان بما لا يقل عن 100 متر، وأن تكون بشبكة صرف صحي خاصة. فضلا عن آليات خطوات أخرى لتعقيم الفضلات وتصريفها عبر شاحنات، ومن ثم إعادة تعقيمها”.

وعلى الرغم من أن “هذه الحلول” متاحة إلا أن الإمساك بها باليد ليس بالأمر السهل. ويتابع كلزي: “الأمر يتطلب ميزانيات ووقت كبير. الجميع يحاول ما بوسعه”.

“الشمس لا تغطى بغربال”

في غضون ذلك ونظرا لانقسام سوريا بين عدة أطراف نفوذ تختلف إحصائيات كل سلطة صحية عن الأخرى، وبينما تتقارب أرقام “الإدارة الذاتية” مع “برنامج الإنذار المبكر والأوبئة” يختلف ما تنشره وزارة الصحة التابعة للنظام السوري، على نحو كبير.

وقالت وزارة الصحة، الاثنين، إن 29 شخصا توفوا بالكوليرا، واختبارات التقييم السريع أكدت وجود 338 حالة إصابة في البلاد منذ ظهور الوباء للمرة الأولى، الشهر الماضي، وإن معظم الوفيات والإصابات في محافظة حلب في الشمال.

لكن الطبيب السوري، محمد سالم، يشكك في هذه الإحصائيات، ويرى أنها غير شفافة، موضحا أن “عدم الشفافية في الأوبئة تؤكد انتشار الوباء بشكل كبير”.

ويقول سالم: “النظام أخفى إظهار العدد الحقيقي لمدة شهرين لذلك انتشر الكوليرا بشكل لم نعد نسيطر عليه. يجب معرفة البؤر وحصرها”.

ويضيف: “الشمس لا تغطى بغربال والكوليرا لا تتخبى. الحالات ملأت المشافي وبعض المناطق خرجت عن نطاق الاستجابة”.

بدوره اعتبر الطبيب السوري، رامي كلزي أن مكافحة الكوليرا بعد تضاعف عدد الإصابات “ليس بالأمر البسيط”. ويرى أن خطوات المكافحة لا ترتبط فقط بالقطاع الطبي، بل هناك خطوات يجب العمل عليها من جانب “قطاع الإصحاح”.

ويوضح كلزي: “يجب أن يبدأ هذا القطاع بعملية كلورة المياه على مستوى المسكن الواحد، بحيث تضمن العائلات الوصول إلى مصدر مياه آمن ونظيف. مع ذلك الكلورة تطلب ميزانيات وفرق ضخمة للتحرك”.

وتناشد جميع المنظمات الدولية العاملة في مجالي الصحة والبيئة التدخل “للعمل بشكل سريع وعاجل” من أجل تقديم الدعم اللازم للمنشآت الصحية، ولإصلاح محطات المياه المتضررة وتعقيمها.

وعند تسجيل أولى الحالات خلال الشهر الحالي، ربط “المرصد السوري لحقوق الإنسان” انتشار الكوليرا في الريف الغربي لدير الزور بتوقف السلطات المحلية عن توزيع مادة الكلور على محطات المياه، خلال الأشهر الثلاثة الفائتة.

إثر ذلك، أعلنت “الإدارة الذاتية” الكردية التي تسيطر على الريف الغربي لدير الزور استئناف توزيع الكلور، وتقديمها الدعم للمنشآت الطبية بما فيها مستشفى الكسرة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لتحسين خدمتنا. لمزيد من المعلومات طالع "سياسة الخصوصية" أوافق التفاصيل

سياسة الخصوصية