إنهم يخافون القانون ولا يحترمونه..

كان عالم الاجتماع الفرنسي جان كاربونيي، يستقل إحدى حافلات العاصمة الفرنسية، حيث كان أداء ثمن التذاكر يتم بوضع قطعة نقدية في صندوق شفاف بجانب السائق، من دون وجود مراقبة مباشرة للعملية، إذ كان المواطن يضع بنفسه ثمن التذكرة في الصندوق، هكذا كان في وقت ما.
وأثناء رحلاته المتكررة عبر حافلات باريس، لاحظ كاربونيي أن بعضا من الركاب كانوا يضعون أشياء لا قيمة لها، بدل النقود، مثل الازرار وقطع حديدية اخرى لا قيمة لها، ومع ذلك لم يكن السائق يتدخل، ولم يكن هناك مراقب يقف إلى جانب الصندوق ليتحقق من التزام الجميع بوضع قطع نقدية.
ما شاهده عالم الاجتماع قد يبدو عاديا، لدى البعض، وقد يفتح باب نقاشات أعمق لدى الآخرين، حول القانون والبشر والعلاقات بينهما، لماذا البعض يحترم القانون حتى في غياب الرقابة المباشرة، واخرون يجدونها فرصة للتهرب من الالتزام بما تمليه القواعد والقوانين المنظمة لحياة المواطن داخل مجتمعه.
ما يقع بين طرفين متناقضين، بين من يحترم القاعدة في غياب الرقيب وبين من يجدها فرصة للتهرب من القانون ولا يحترم القواعد، سلوك يجب فهمه. فالاول يعبر عن سلوك حضاري متزن حتى في غياب الرقابة، والآخر تعبير صارخ عن الخوف من العقوبة فقط. هنا نتحدث عن فعالية الضمير الوطني، وعن الإحساس بالمسؤولية.
فالرقيب ملزم بتطبيق القانون في حالة عدم احترامه، ويدفعك لأذاء تذكرة الحافلة مثلا، لكنه لا يفسر لنا لماذا هناك أشخاص يحترمون القوانين كما يجب، حتى في غياب مراقبة للفعل، وهنا التساؤل المهم؟ ما الذي يدفع المواطن نحو سلوك سوي من تلقاء نفسه، في المقابل يكون العكس لذى الآخر ويجدها فرصة للتهرب من كل مسؤولية.
حين يلتزم الفرد بقواعد العيش المشترك، ويحترم القواعد المجتمعية والقانونية، ويعتبرها أدوات لا بد منها للعيش المشترك، من أجل مجتمع عادل وسوي، في الجانب الآخر هناك أشخاص أنانيون، لا يهمهم الصالح العام بقدر ما يبحثون عن منافع آنية وشخصية بعيدا عن ما يصبو له المجتمع، لكنهم يحترمون القانون فقط حين يخشون العقوبة.
هنا نتحول من قواعد قانونية محضة إلى سلوك فردي مجتمعي سوي، يخدم ويبني المجتمع داخل نسق اجتماعي وجماعي حيث يتحول إلى ظاهرة اجتماعية صحية، داخل المجتمع، لكن درجة فعاليتها تتوقف على مدى قدرتها على اكتساب اعتراف وامثال الأشخاص لها.
فالقانون عند البعض آليات للمراقبة المباشرة لسلوك الفرد، من خلال أجهزة ومؤسسات الدولة الرقابية، لكن عند بعض الأفراد هو مجموعة آليات وأعراف مجتمعية ومسؤوليات فردية، وتمثلات اجتماعية تجعل القانون يتحول الى نمط سلوك وعيش معتاد.
هنا يطرح السوسيولوجي إشكالية تحول القواعد القانونية إلى سلوك اجتماعي معتاد داخل الجماعة والمجتمع، أي تحولها إلى قواعد معيشية يومية، تجعل من الفرد حامي لهذه القواعد أكثر من خارق لها حين تتوفر أمامه فرص الاستغلال أو القفز على النص القانوني.
فاحترام إشارات المرور مثلا، لا يعتبره البعض خوفا من غرامة رجل السلطة الواقف هناك، أو يقف مرغما وممتثلا لقانون المرور، بل يعتبره جزء من نظام قواعد مجتمعية طبيعية تزكي وتنظم حياة الأفراد في المجتمع الذي يعيش فيه. في جانب آخر يندفع البعض لتبرير سلوك غير قانوني وقد يمتنع عن الدفع، أو حتى عن أداء الغرامة متهما الدولة أو السلطة أو القائمين على تطبيق القانون.
فالرقابة القانونية والسلطوية مهمة جدا داخل المجتمع، لكن يجب العمل على جعل الرقيب الاجتماعي الداخلي في كل فرد مهما أكثر، رقابة الضمير الحي والمسؤولية الوطنية واحترام المجتمع. فتصبح بذلك كل القوانين المنظمة لحياة الأفراد ثقافة مجتمعية مشتركة، وتصبح جزءا من سلوك الفرد اليومي ومن الوعي الجماعي، وتتعدى بذلك كونها قوانين يمكن التحايل عنها والتهرب منها كلما توفرت الظروف لذلك.
فالقوانين الزجرية، لا يمكن لوحدها ان تحقق المبتغى، في غياب أفكار مشتركة وقاعدة عيش متفق عليها ويؤمن بها أفراد المجتمع في امتثال طوعي للقوانين الجاري بها العمل، إذ أصبح من المهم جدا، العمل على تجسيد القواعد القانونية في السلوك الفردي المعاش وليس فقط في الجزاء والغرامة، ليلتزم الفرد أكثر فأكثر بالمسؤولية والواجب وليس فقط خوفا من العقاب القانوني، خصوصا حين تكون الرقابة او بشكل أصح إمكانية اكتشاف مخالفة القانون ضعيفة جدا.
يجب أن نصل بالفرد إلى الدرجة التي يرى فيها أن القانون واحترامه جزء من نظام سلوكه اليومي، وهنا نُنشىء علاقة متينة بين النص القانوني وسلوك وامتثال اجتماعي، ليضعنا على الطريق الصحيح لبناء الفرد والمجتمع والدولة على حد سواء.


إنهم يخافون القانون ولا يحترمونه
بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية