
الريادة: لا تحتاج إلى أن تكون رئيس دولة أو مسؤولاً رفيعاً حتى تجد نفسك أمام اجتماع بالغ الأهمية. فقد يكون الأمر جلسة لتقييم الأداء، أو عرضاً حاسماً أمام عميل، أو نقاشاً حساساً حول المال داخل الأسرة. وفي جميع هذه المواقف، تظل قواعد واحدة حاضرة: نجاح المحادثة يبدأ قبل أن تبدأ، من خلال حسن الإعداد وتهيئة الأجواء المناسبة للحوار.
ترى ليزلي جون، أستاذة في كلية هارفارد للأعمال ومؤلفة كتاب Revealing: The Underrated Power of Oversharing، أن التحضير للاجتماعات المهمة يأخذ شكلين أساسيين: إعداد المكان وإعداد الأسئلة.
وتشبه جون ترتيب قاعة الاجتماع بما يفعله المخرج المسرحي عندما يحدد حركة الممثلين داخل المشهد. فمن سيجلس أين؟ وهل توجد طاولة تفصل بين الأطراف؟ وهل الطاولة مستديرة أم مستطيلة؟ ومن سيستضيف اللقاء؟ كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تؤثر في طبيعة التفاعل بين المشاركين.
وتشير أبحاث التفاوض إلى ما يعرف بـ«ميزة الأرض»، أي أن الأشخاص يميلون إلى الشعور بمزيد من الثقة والراحة عندما يجرى التفاوض في مكان مألوف لهم، مقارنة بالتفاوض في مكان يكونون فيه ضيوفاً. لذلك، فإن اختيار المكان وترتيبه ليسا مجرد مسألة لوجستية، بل يمكن أن يكونا جزءاً من الاستعداد للتفاوض.
لكن التحضير الأكثر أهمية، بحسب جون، لا يتعلق بالمكان فقط، وإنما بما ستسأل عنه.
فبدلاً من إعداد قائمة طويلة من نقاط الحديث التي تريد إيصالها، تقترح أن تعد ما تسميه «أجندة للتعلم»؛ أي مجموعة مختصرة من الأسئلة التي تساعدك على فهم الطرف الآخر قبل أن تبدأ في محاولة إقناعه.
ويمكن أن تدور هذه الأجندة حول أربعة أسئلة رئيسية:
ما الذي تغير منذ آخر مرة تحدثنا فيها؟
ما الضغوط أو التحديات التي تواجه الطرف الآخر حالياً؟
كيف تبدو النتيجة الجيدة من وجهة نظره؟
ما الأمور التي يوليها أهمية أكبر، وما الأمور التي يمكن أن تكون أقل أهمية بالنسبة إليه؟
ميزة هذا الأسلوب أنه يجعلك تجمع معلومات قبل اتخاذ المواقف أو تقديم المقترحات. فكلما فهمت مصالح الطرف الآخر وقيوده وأولوياته بصورة أفضل، أصبحت قادراً على إدارة الحوار بوعي أكبر.
كما أن التركيز على الأسئلة قد يكون مفيداً للأشخاص الذين يميلون إلى الإفراط في الكلام عندما يشعرون بالتوتر. ففي الاجتماعات الحساسة، قد يؤدي الاندفاع في الحديث إلى كشف معلومات لم يكن من الضروري كشفها، أو إلى تقديم مواقف قبل أن تتضح الصورة. أما السؤال الجيد، فيمنحك فرصة للحصول على المعلومات دون أن تكشف بالضرورة أوراقك.
وهناك فائدة أخرى لا تقل أهمية: طرح الأسئلة يمكن أن يساعد في بناء الثقة. فقد أظهرت أبحاث طويلة حول الإفصاح عن الذات والعلاقات الإنسانية أن اهتمامنا بما يقوله الآخرون وطرح الأسئلة عليهم يمكن أن يعزز شعورهم بأنهم مسموعون ومفهومون، وهو ما قد يشجعهم بدوره على مشاركة مزيد من المعلومات.
ولا يعني ذلك أن تتحول «أجندة التعلم» إلى قائمة رسمية وجافة من الأسئلة. فمن المفيد أن تتضمن بعض الأسئلة غير الرسمية التي تساعد على كسر الحواجز، وربما تعليقاً خفيفاً أو مزحة مناسبة، بحسب طبيعة العلاقة والموقف.
وعندما تكون قد حضرت بهذه الطريقة، يحدث أمر مهم: تتحرر من الحاجة إلى تلاوة نص محفوظ، وتصبح أكثر قدرة على الاستماع ومتابعة ما يقوله الطرف الآخر والتفاعل معه بصورة طبيعية.
وهنا تكمن المفارقة؛ كلما كان استعدادك أفضل، بدوت أكثر عفوية وأقل تصنعاً.
لا توجد طريقة تضمن نجاح كل اجتماع أو كل تفاوض، لكن التحضير الجيد يمنحك ميزة مهمة: أن تدخل الحوار وأنت تعرف ما تريد أن تعرفه، لا فقط ما تريد أن تقوله.
وفي كثير من الاجتماعات الصعبة، قد يكون السؤال المناسب في اللحظة المناسبة أكثر قيمة من أفضل خطاب أعددته مسبقاً.




