
بعد ستة وستين عامًا من قيام الدولة الموريتانية، أعاد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، من مدينة أطار، طرح واحد من أقدم أسئلة الدولة وأعمقها:
أي موريتانيا نريد؟
ليس السؤال جديدًا؛ فقد استحضر الرئيس سؤالًا طرحه الرئيس المؤسس المختار ولد داداه قبل الاستقلال بثلاث سنوات، حين كانت الدولة لا تزال فكرة تبحث عن أرض ومؤسسات وهوية سياسية جامعة.
لكن الفارق أن السؤال الأول طُرح على جيل كان مطالبًا ببناء الدولة، بينما يعود اليوم إلى جيل بات مطالبًا بتحديد وجهتها.
لقد قامت الدولة. تشكلت المؤسسات، وبُنيت المدن والطرق والمدارس والمستشفيات، واستُغلت الثروات، وتضاعف عدد السكان مرات عديدة، وانتقل المجتمع من البداوة والريف بصورة متسارعة إلى المدن، ودخلت البلاد عصر المعادن والغاز والاقتصاد الرقمي.
لكن السؤال الذي يبقى مشروعًا بعد كل ذلك هو:
هل أصبحت بلادنا هي الدولة التي أرادها الموريتانيون؟
وهل نعرف، أصلًا، ماذا نريد لها خلال العقود المقبلة؟
ذلك هو جوهر سؤال أطار.
فالحديث عن ستة وستين عامًا لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للتاريخ، ولا إلى إنكار لما أنجزته أجيال متعاقبة، ولا إلى احتفال يمنعنا من رؤية مواطن النقص. المطلوب هو شيء أكثر نضجًا: أن ننظر إلى تجربتنا الوطنية كاملة، بما تحقق فيها وما تعثر، ثم نسأل أنفسنا بصدق: إلى أين نريد أن نذهب من هنا؟
وهذا السؤال ليس موريتانيًا خالصًا. إنه السؤال الذي تواجهه الدول عندما تنتقل من مرحلة إثبات وجودها إلى مرحلة بناء نموذجها الخاص.
وتكاد الأدبيات الحديثة في بناء الدول تتفق على أن الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مبانٍ وطرق وموارد، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، وإقامة علاقة ثقة مع المواطن، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وصناعة شعور وطني يتقدم على الانتماءات الجزئية.
وفي الحالة الموريتانية تحديدًا، ظلت دراسات عديدة تعود إلى الأسئلة نفسها: الهوية الوطنية، المواطنة، قوة المؤسسات، العدالة الاجتماعية، علاقة الدولة بالمجتمع، وتوزيع التنمية والثروة والفرص.
وذهب المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في إحدى دراساته الحديثة، إلى اعتبار إشكالية الهوية سؤالًا مركزيًا رافق الدولة الموريتانية منذ نشأتها، وظلت بعض أزمات المجتمع انعكاسًا لعدم الوصول إلى إجابة وطنية جامعة عنه.
وفي قراءة أخرى لتجارب الحوار الوطني في بلادنا، لاحظ المركز أن الحوارات السابقة كثيرًا ما ارتبطت بأزمات سياسية ظرفية، بدل أن تصبح آلية دائمة للتفكير الجماعي في مستقبل الدولة.
أما مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، فقد وضع تعزيز المؤسسات والضوابط والتوازنات ضمن القضايا المهمة لمسار التطور السياسي في بلادنا، فيما ربطت دراسات لمركز كارنيغي بين قدرة الدولة على بناء الثقة وبين الحوكمة، والعدالة الاجتماعية، وقوة المؤسسات، واتساع المشاركة.
ورغم اختلاف هذه المقاربات، فإن بينها خيطًا مشتركًا:
الدولة لا يكتمل بناؤها بمجرد قيام مؤسساتها؛ بل حين يتفق مجتمعها على القواعد الكبرى التي يريد أن يعيش في ظلها.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية الحوار الوطني المرتقب.
فربما تكون أهم فرصة يقدمها هذا الحوار للنخبة الموريتانية، موالاةً ومعارضةً، ألا تنشغل فقط بتفاصيل الخلاف السياسي الآني، وإنما أن تذهب إلى السؤال الأكبر:
ماذا نريد لبلادنا خلال العقود القادمة؟
أي دولة نريد؟
ما معنى المواطنة فيها؟
كيف نريد توزيع السلطة والثروة والفرص؟
كيف نبني إدارة تقوم على الكفاءة؟
كيف نجعل المدرسة فضاءً لصناعة المواطن قبل أن تكون مكانًا لمنح الشهادة؟
كيف نوفق بين تنوعنا الثقافي واللغوي وبين حاجتنا إلى هوية وطنية جامعة؟
كيف تتحول ثروات الحديد والذهب والسمك والغاز إلى رأس مال بشري وتنمية مستدامة؟
كيف نريد أن تكون مدننا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟
وما موقع بلادنا الذي نريده في المغرب العربي والساحل وغرب إفريقيا والعالم العربي؟
هذه الأسئلة أكبر من الحكومة، وأكبر من المعارضة، وأكبر من أي حزب سياسي.
إنها أسئلة دولة.
ولهذا فإن الحوار يمكن أن تكون له قيمة تاريخية مختلفة إذا انتقل من مناقشة من يحكم؟ إلى التفكير أيضًا في كيف تُحكم الدولة؟ وإلى أين ينبغي أن تتجه؟
وقد قال الرئيس في أطار إن الحوار المرتقب ينبغي أن يكون شاملًا وجادًا، وإن مخرجاته يجب أن تنبع من مداولات المشاركين، مع السعي إلى إجماع واسع حول القضايا الوطنية الكبرى.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة.
فطرح سؤال بهذا الحجم يفتح بابًا ضروريًا للمراجعة الوطنية: بعد ستة وستين عامًا، ماذا نجحنا في بنائه؟ ماذا أخفقنا في بنائه؟ ماذا تغير في مجتمعنا؟ وما الذي لم تعد مؤسسات الأمس قادرة على الاستجابة له؟
لكن الإجابة ليست مسؤولية رئيس الجمهورية وحده.
إنها مسؤولية جيل.
مسؤولية الموالاة أن تدخل الحوار بعقل الدولة، لا بمنطق الدفاع عن كل ما هو قائم.
ومسؤولية المعارضة أن تدخله بعقل الدولة أيضًا، لا بمنطق رفض كل ما يأتي من السلطة.
ومسؤولية المثقف والباحث والجامعي والإعلامي ورجل الأعمال والشباب والنساء والمجتمع المدني أن يساهموا في صياغة تصور يتجاوز الحسابات السياسية القصيرة.
فنحن لا نحتاج فقط إلى أن نتفق على معالجة مشكلات الحاضر؛ بل إلى أن نتفق، قدر الإمكان، على صورة المستقبل.
قد نختلف في الوسائل والسياسات والأحزاب والبرامج، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي، لكن الدولة تحتاج إلى مساحة مشتركة لا تتغير كلما تغيرت الحكومات.
نحتاج إلى إجابة وطنية عن أسئلة بسيطة في صياغتها، هائلة في معناها:
من نحن؟
ماذا نريد أن نصبح؟
وأي دولة نريد أن نورثها لمن سيأتي بعدنا؟
قبل الاستقلال، كان السؤال: هل نستطيع بناء دولة؟
وبعد ستة وستين عامًا، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
أي دولة نريد أن نبني فوق ما بنته الأجيال السابقة؟
وهنا تكمن القيمة السياسية والفكرية لسؤال أطار.
فقد أعاد إلى المجال العام سؤالًا لا تستطيع السلطة أن تجيب عنه وحدها، ولا تستطيع المعارضة أن تجيب عنه وحدها، ولا ينبغي لجيلنا أن يتركه معلقًا لجيل آخر.
الحوار الوطني قد يكون فرصتنا لكي نكتب، معًا، إجابة هذا الجيل عن سؤال الدولة الموريتانية: من أين أتينا، أين نقف اليوم، وإلى أين نريد أن نسير؟
محمد لخليفه ولد محمد لحمد
المستشار الإعلامي لرئيس حزب الإنصاف




