ذاكرة الأيام | 8 يوليو.. حين استعادت موريتانيا سيادتها على ثروتها المعدنية

الريادة: يحتفظ الثامن من يوليو بمكانة بارزة في الذاكرة الوطنية الموريتانية، إذ شهد عام 1974 واحدًا من أهم القرارات السيادية في تاريخ البلاد، عندما أعلن الرئيس المؤسس المختار ولد داداه تأميم الشركة الموريتانية لصناعة الحديد (ميفرما)، في خطوة اعتُبرت آنذاك منعطفًا اقتصاديًا وسياسيًا عزز سيادة الدولة على مواردها الطبيعية، ورسخ استقلالها الاقتصادي بعد سنوات قليلة من الاستقلال السياسي.

1974.. تأميم “ميفرما”.. قرار صنع تاريخ الاقتصاد الموريتاني

في الثامن من يوليو 1974، أعلن الرئيس المختار ولد داداه تأميم شركة ميفرما، منهياً بذلك هيمنة رأس المال الأجنبي على استغلال مناجم الحديد، التي كانت تمثل آنذاك أهم مورد اقتصادي لموريتانيا.

وكانت ميفرما قد تأسست عام 1952 بمساهمة شركات فرنسية وأوروبية، قبل أن تبدأ استغلال مناجم الحديد في الزويرات نهاية خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع إنشاء خط السكة الحديدية الرابط بين الزويرات وميناء نواذيبو، الذي ظل ولا يزال من أطول خطوط السكك الحديدية في إفريقيا، لنقل خام الحديد إلى الأسواق العالمية.

ورغم ما وفرته الشركة من نشاط اقتصادي وفرص عمل، فإن الدولة الموريتانية كانت ترى أن معظم عائدات الثروة المعدنية تتجه إلى المساهمين الأجانب، في وقت كانت البلاد بحاجة إلى مواردها لتمويل مشاريع التنمية، وبناء الإدارة الوطنية، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي.

وجاء قرار التأميم في سياق إقليمي ودولي اتسم بتوجه عدد من الدول النامية نحو استعادة السيطرة على ثرواتها الطبيعية، بعد موجة واسعة من تأميم النفط والمناجم خلال سبعينيات القرن الماضي، وهو ما انسجم مع رؤية الرئيس المختار ولد داداه القائمة على استكمال الاستقلال السياسي باستقلال اقتصادي يمنح الدولة التحكم في مقدراتها.

من “ميفرما” إلى “سنيم”.. بداية مرحلة جديدة

بعد التأميم، أُنشئت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم) لتتولى إدارة القطاع المنجمي، وسرعان ما أصبحت أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد، وأحد أهم مصادر الدخل القومي والعملات الصعبة، فضلاً عن دورها في تشغيل آلاف العمال والمساهمة في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية.

وخلال العقود اللاحقة، توسعت أنشطة الشركة، وارتفعت قدراتها الإنتاجية، لتصبح موريتانيا من أبرز منتجي ومصدري خام الحديد في القارة الإفريقية، وظل قطاع التعدين يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

قرار ما زال صداه حاضرًا

يرى كثير من المؤرخين والباحثين أن تأميم “ميفرما” لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل كان إعلانًا عمليًا عن انتقال الدولة الموريتانية إلى مرحلة جديدة من السيادة على مواردها الاستراتيجية، ورسالة تؤكد أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بالتحكم في الثروات الوطنية.

وبعد أكثر من نصف قرن، لا يزال الثامن من يوليو يُستحضر بوصفه أحد أبرز التواريخ الاقتصادية في تاريخ موريتانيا الحديث، لما مثله من تحول في إدارة الثروة المعدنية، وللدور الذي لعبه في وضع أسس قطاع منجمي أصبح يشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

ويبقى الثامن من يوليو علامة فارقة في الذاكرة الموريتانية، ليس لأنه شهد تأميم “ميفرما” فحسب، بل لأنه جسّد لحظة تاريخية انتقلت فيها الدولة من مرحلة الاستفادة المحدودة من ثرواتها إلى مرحلة امتلاك القرار في إدارتها واستثمارها، في خطوة ما تزال تُعد من أبرز المحطات السيادية في تاريخ موريتانيا الحديث.

إعداد: بلال عالي أعمر لعبيد