
في كل مرة ننشر فيها خبرًا جديدًا عن حادث سير، يتجدد السؤال ذاته: أما آن الأوان أن توضع مكابح لعداد وفيات الحوادث؟
وقد جاء الحادث الأخير على طريق الأمل، قرب منطقة كندلك شرقي مدينة بتلميت، الذي أودى بحياة شخصين وأصاب ثلاثة آخرين، ليعيد هذا السؤال إلى الواجهة من جديد. غير أن هذه المأساة لم تكن حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة الحوادث التي شهدتها الطرق الوطنية خلال الأسابيع الأخيرة، على محاور نواكشوط–روصو، ونواكشوط–أطار، وطريق الأمل، فضلًا عن حوادث داخل العاصمة. وهو ما يعكس اتساع رقعة الخطر، ويؤكد أن السلامة الطرقية لم تعد مشكلة مرتبطة بطريق بعينه، بل قضية وطنية تستدعي تحركًا عاجلًا.
لم يعد خبر وفاة شخص أو أكثر في حادث سير حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى عنوان يتكرر بوتيرة مؤلمة، حتى بات الناس يتلقونه بقدر من الاعتياد الذي لا يخفي حجم الفاجعة. كل بضعة أيام، وربما كل بضع ساعات، تستيقظ أسرة على نبأ فقدان عزيز، أو ينتظر أطفال أبًا لن يعود، أو تذرف أم دموعها على ابن خرج في رحلة قصيرة ولم يعد منها إلا خبر وفاته. وفي المقابل، لا يتوقف عداد الحوادث عن تسجيل أرقام جديدة، وكأن الطرق تحولت إلى ساحات مفتوحة لاستنزاف الأرواح.
غير أن الأخطر من تكرار الحوادث هو الاعتياد عليها، وكأنها أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. والحقيقة أن كثيرًا من هذه المآسي لم يكن حتميًا؛ فبتحسين الطرق، وتشديد الرقابة، وتطبيق القانون، والالتزام بقواعد السلامة، كان بالإمكان إنقاذ أرواح كثيرة.
ولهذا لم يعد مستغربًا أن يتحول طريق الأمل، الذي يفترض أن يكون طريقًا للحياة، إلى أحد أكثر المحاور الطرقية حصدًا للأرواح، حتى غدا اسمه يقترن في أذهان كثيرين بالأخبار الحزينة أكثر مما يقترن بالأمل.
وراء كل رقم يُعلن في حصيلة الحوادث قصة إنسانية لا تُروى كاملة؛ طالب كان يحلم بالتخرج، وأب كان يسعى وراء لقمة العيش، وأم كانت في طريقها لزيارة أهلها، وطفل لم يكن يعلم أن رحلته الأخيرة بدأت قبل أن يصل إلى وجهته.
وفي خضم هذا الواقع المؤلم، برزت مبادرات مجتمعية تستحق الإشادة والدعم، من أبرزها حملة “معًا للحد من حوادث السير”، التي جعلت من التوعية والتحسيس بقواعد السلامة المرورية رسالتها الأساسية، عبر تنظيم الأنشطة الميدانية، وإطلاق الحملات الإعلامية، واستهداف مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الشباب والسائقين. وقد أثبتت الحوادث المتكررة، وآخرها الحادث الأخير على طريق الأمل، أن هذه الجهود لم تعد مجرد نشاط تطوعي، بل أصبحت ضرورة وطنية ينبغي دعمها وتوفير الإمكانات اللازمة لها، حتى تطور وسائل التوعية والتحسيس، وتوسع نطاق عملها، وتصل رسالتها إلى أكبر عدد ممكن من مستخدمي الطريق.
والمسؤولية عن هذا النزيف لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة. فالدولة مطالبة بصيانة الطرق، وتوسعتها، وتعزيز الرقابة المرورية، وتطبيق القانون بعدالة وحزم، وتوفير بنية تحتية أكثر أمانًا. وفي المقابل، يتحمل السائقون مسؤولية احترام قوانين السير، والالتزام بالسرعة القانونية، وتجنب التهور، والتأكد من صلاحية مركباتهم. كما يظل للمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية دور أساسي في ترسيخ ثقافة السلامة المرورية.
لكن المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق الجهات المعنية بتنظيم قطاع النقل والسلامة الطرقية، لأنها تمتلك أدوات التخطيط والرقابة وإنفاذ القانون، وهي القادرة على تحويل السلامة المرورية من مجرد شعارات إلى واقع يحفظ أرواح المواطنين.
لذلك، فإن التعامل مع حوادث السير بوصفها مجرد أرقام في بيانات رسمية أو أخبار عابرة لم يعد كافيًا. المطلوب رؤية وطنية تجعل سلامة الإنسان أولوية، تبدأ بصيانة الطرق، وتعزيز الرقابة، وتطبيق القانون على الجميع، ونشر ثقافة القيادة المسؤولة، وتوسعة الطرق وتعدد مساراتها، ومحاسبة كل من يستهين بأرواح الناس.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل حادث: أما آن الأوان أن توضع مكابح لعداد وفيات الحوادث؟ إن الإجابة لم تعد تحتمل التأجيل؛ لأن كل يوم يمر دون معالجة جادة لهذا الملف قد يعني اسمًا جديدًا يُضاف إلى قائمة الضحايا.
في الختام، يبقى الأمل معقودًا على أن يتحول هذا النزيف المستمر إلى نقطة انطلاق لمراجعة جادة لواقع السلامة الطرقية، تُسهم فيها الدولة والسائقون والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، حتى يصبح الحفاظ على حياة الإنسان ثقافةً وسياسةً ومسؤوليةً مشتركة، لا مجرد ردّ فعل يتكرر بعد كل حادث




