أبعاد وحلفاء | “الجسور المفتوحة”.. كيف يعيد بيرام الداه اعبيد صياغة المشهد السياسي من بوابة الانفتاح الوطني؟ / بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد

ما الذي يحمله الحراك الأخير لزعيم حركة “إيرا” في عمقه، وهل تنجح لغة التزاور والتشاور في رسم ملامح عهد سياسي جديد بموريتانيا؟

يبدو أن المشهد السياسي والاجتماعي الموريتاني يتجه بالفعل نحو صياغة مرحلة جديدة من الانفتاح الوطني، يقودها مؤخراً النائب بيرام الداه اعبيد من خلال سلسلة زياراته ولقاءاته المكثفة مع قامات وطنية بارزة. وتحمل هذه الخطوات المتلاحقة في طياتها دلالات سياسية وأخلاقية واضحة، تؤكد اهتمامه العميق بالانتقال بالعمل السياسي من دائرة الصراع التقليدي إلى رحاب الحوار والتواصل مع القامات الفكرية، السياسية، والتربوية؛ بَعيداً عن حساباتِ الاصطفاف الضيق، ومربعات الاختلاف المعقدة.

إن المتأمل في طبيعة الشخصيات التي شملها حراك الرئيس بيرام الداه اعبيد مؤخراً، يدرك أن الاختيار لم يكن عفوياً، بل جاء ليعكس تكاملاً انسجامياً بين أبعاد ثلاثة تشكل وجدان الدولة الموريتانية. حيث استهل رئيس حركة “إيرا” هذه اللقاءات، قبل أسابيع، بزيارة للأستاذ والمفتش والباحث المؤرخ عبد الله أمبي فال، الحاصل على جائزة شنقيط للآداب ووسام فارس في نظام الاستحقاق الوطني، وهي لفتة تجسد البُعد المعرفي والتاريخي في أبهى صوره، وتحمل تقديراً خاصاً لرموز الفكر وصناع الذاكرة الوطنية الجماعية.

ولم يقف هذا الحراك عند عتبة الفكر والتاريخ، بل امتد ليشمل البُعد التربوي والاجتماعي، وتمثل ذلك في الزيارة التي أداها للمربي الفاضل والمدير السابق لثانوية الميناء محمد ولد مسعود؛ حيث شكل اللقاء مناسبة سانحة لتبادل الآراء، واستحضار القضايا التربوية والوطنية ذات الاهتمام المشترك، تأكيداً على محورية التعليم في بناء أي مشروع وطني جامع يتجاوز الفوارق.

وفي سياق متصل يعكس البُعد السياسي وإدارة الدولة، واستكمالاً لهذا الأفق الواسع، جاءت الزيارات المتزامنة لكل من الوزير الأول الأسبق يحيى ولد حدمين، ورئيس حزب “الوئام” السابق والزعيم السياسي بيجل ولد هميد. وهي لقاءات جرت في إطار اتسم بروح الاحترام المتبادل والتقدير، وركزت على تعزيز صلة الرحم وتبادل وجهات النظر حول كبريات الشؤون الوطنية ومستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.

إن هذه اللقاءات المتسارعة تتجاوز طابعها الاجتماعي العابر لتكشف عن رؤية سياسية متقدمة ومكتملة الأركان، تقوم على مرتكزات أساسية أولها المزاوجة بين النضال الحقوقي الميداني وبين الدبلوماسية السياسية المرنة التي تؤمن بأن التشاور هو السبيل الوحيد لتفكيك الأزمات، وثانيها إعلاء قيمة التقدير لأدوار الشخصيات الوطنية التاريخية بمختلف مشاربها وخلفياتها، والاعتراف بما قدمته للوطن من مواقعها المختلفة، وصولاً إلى المرتكز الثالث القائم على الانطلاق من قناعة راسخة بأن الاختلاف السياسي والمواقف المتباينة — مهما بلغت حدتها — لا ينبغي أن تتحول إلى جدران عازلة تمنع التواصل والتلاقي من أجل خدمة المصالح العليا للبلاد.

ومن خلال هذا الحراك، يحيي الرئيس بيرام الداه اعبيد اليوم سنةً حسنة في ميدان العمل السياسي الموريتاني؛ وهي سنة “التشاور والتلاقي والتزاور” في إطار المصلحة العامة، وانطلاقاً من مقتضيات الأخوة والروابط الاجتماعية الجامعة، مستغلاً الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للأعياد والمناسبات الكبرى لمد جسور التواصل.

وفي خلاصة هذه القراءة الشاملة، ندرك أن الرجل إنما يريد أن يؤكد أنه يحمل هماً وطنياً يتجاوز الخلافات الظرفية ويتعدى التخندقات الحزبية الضيقة، ومن خلال بنائه لهذه الصروح المتينة والصلات الوثيقة مع مختلف الرموز الوطنية، فإنه يعيد تقديم نفسه كقائد وطني قادر على إدارة التنوع، وصناعة القواسم المشتركة، وفتح آفاق جديدة للمستقبل السياسي للبلاد، يكون فيها الوطن ومصالحه الكبرى فوق كل اعتبار.

ومع تسارع خطى هذا الانفتاح وتعدد صروحه، يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى ستستجيب بقية أطراف الخارطة السياسية الموريتانية مع هذه الديناميكية الجديدة، وهل نحن أمام إعادة تشكيل شاملة للتحالفات التقليدية في البلاد؟

حفظ الله موريتانيا وشعبها الطيب النبيل