تغوّل الجريمة في أوساط الشباب: مقاربة “ولد الفاضل” من منطق العقاب إلى الإصلاح الهيكلي

الكاتب الموريتاني الاستاذ محمد الأمين الفاضل
الكاتب الموريتاني الاستاذ محمد الأمين الفاضل

الريادة : في قراءة سوسيولوجية وأمنية معمقة، يضع الكاتب والناشط الجمعوي محمد الأمين الفاضل المجتمع. والدولة في موريتانيا أمام “مرآة قاسية”، متجاوزاً القراءات السطحية للجرائم البشعة التي هزت الرأي العام مؤخراً.

لا يتوقف الفاضل عند رصد الظاهرة كأحداث معزولة، بل ينفذ إلى جوهر “بنية الجريمة”، متسائلاً عن هوية. المسؤول الحقيقي الذي يقف خلف الجاني، في نقد بنيوي صريح لمؤسسات التنشئة والإصلاح.

ومن هذا المنطلق، يسلط التحليل الضوء على مفارقة وجودية صادمة؛ فالمؤسسة السجنية التي أُسست لتكون. أداة للردع والتهذيب، تحولت في الواقع إلى “مختبر” لإنتاج مجرمين أكثر احترافية. حيث تنتقل “عدوى الإجرام” داخل الزنازين في ظل غياب سياسات الفرز والرقابة، مما يعكس فشل المقاربة الكلاسيكية للإصلاح والتأهيل. ويحول الجريمة من فعل عشوائي إلى “سلوك مؤسسي” يتغذى من ثغرات المنظومة العقابية ذاتها.

هذا التشخيص يقودنا مباشرة إلى اعتبار الجريمة “نتاجاً جماعياً” بامتياز وليس مجرد فعل فردي. مما يضع الفواعل الأساسية في مواجهة مسؤولياتهم التاريخية؛

بدءاً من تصدع محاضن التربية في الأسرة والمدرسة التي تشكل خط الدفاع الأول، وصولاً إلى هشاشة. المنظومة الردعية ونقد سياسة “الباب الدوار” في القضاء والأمن، حيث يؤدي الخروج المبكر للمجرمين. إلى ترسيخ شعور خطير بالإفلات من العقاب، يرافقه تقصير واضح من المؤسسات الدينية والمدنية. في بناء بدائل فكرية قادرة على تحصين الشباب.

وعليه، يرفض الفاضل حصر الحل في “القبضة الأمنية” وحدها، متبنياً مقاربة خماسية الأبعاد تشمل. الجوانب الوقائية، الصحية، الأمنية، الإدماجية، والمؤسسية، منطلقاً من قناعة بأن الجريمة ليست سوى “عَرَض” لأمراض أعمق كالتهميش والبطالة والإدمان.

وهذا يتطلب بالضرورة بناء مرصد وطني للجريمة وتحويل الأمن إلى شريك مجتمعي عبر مفهوم “شرطة الجوار”. مع رسم خارطة طريق وطنية ترتكز على إلزامية التعليم كأداة وقائية لسد منافذ التسرب نحو الانحراف. والمعالجة الصحية للإدمان كقضية طبية تستوجب مراكز تأهيل متخصصة. جنباً إلى جنب مع تطوير الترسانة القانونية لمواجهة تطور أساليب الجريمة، خاصة في الفضاء الرقمي.

خلاصة القول، إن ولد الفاضل يطرح من خلال رؤيته هذه “عقداً اجتماعياً” جديداً لمحاربة الانحراف. فإذا لم تستثمر الدولة اليوم في “المدرسة” و”التأهيل”، فإنها ستظل تدفع ضريبة مضاعفة في “السجون” و”الأمن”.

ويبقى التحدي الحقيقي والملحّ هو كيفية تحويل هذه الرؤية السوسيولوجية إلى واقع ملموس يحمي مستقبل الأجيال القادمة قبل فوات الأوان.

رابط المقال هنا