توجنين.. حيث يروي “عالين” الأرض بعرقه ليحصد الأمل

الريادة: في الأطراف النائية لمقاطعة توجنين بنواكشوط الشمالية، يقف الخمسيني “عالين” شامخاً وسط مزرعته الصغيرة للنعناع. هناك، لا يروي عطش الشتلات بالماء فحسب، بل بجبين يتصبب عرقاً، ليجسد قصة كفاح بدأت فصولها قبل أربعين عاماً؛ رحلة طويلة من البذل، انطلقت من مسقط رأسه الذي يبعد 470 كلم شرق العاصمة، لتنتهي به مزارعاً صبوراً يصارع تقلبات المناخ وإكراهات الواقع المعيشي.

البدايات.. اغتراب مبكر وطموح لا يلين

وصل “عالين” إلى نواكشوط وهو في الثامنة عشرة من عمره، مسكوناً بآمال عريضة لانتشال عائلته من براثن الحاجة. بدأ مساره المهني من مزارع “السبخة” التي قضى فيها أكثر من عقد من الزمن يفك شفرات الأرض وأسرارها، لينتقل بعدها للعمل في مزارع مدرسة الشرطة الوطنية. وهناك، نسج علاقات وطيدة مع الضباط والوكلاء، محولاً “الزراعة” إلى لغة وحيدة وأصيلة يتواصل بها مع الحياة.

منعطفات التحول.. بين عواصف السياسة وشغف الأرض

لم تكن دروب “عالين” مفروشة بالورود؛ إذ ألقت التحولات السياسية بظلالها على مساره المهني. ففي أعقاب أحداث يونيو 2003، اضطر لترك حقوله مؤقتاً والاتجاه نحو القطاع الخاص. لكن “نداء الأرض” كان أقوى؛ ففي عام 2006، عاد ليدير مزرعة لأحد الضباط في ولاية لبراكنة، قبل أن يحط الرحال في توجنين عام 2019 للعمل مع أحد أصدقائه.

ومع مطلع عام 2020، توج “عالين” عقوداً من الصبر بتحقيق حلمه الأكبر: امتلاك مزرعة خاصة في منطقة “أنبيت عشرة” بتوجنين، ليبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار المادي النسبي، مرتكزاً على خبرته الطويلة وسواعده التي لا تعرف الكلل.

النعناع.. سلاح الصمود في وجه الجفاف

أمام شح المياه وتحديات التغير المناخي وضعف التمويل، اختار “عالين” التخصص في زراعة “النعناع”. ورغم أن العائدات تظل موسمية تبلغ ذروتها في الخريف وتتراجع بقية العام، إلا أنها تمثل له حصناً منيعاً يغنيه عن المسألة، وتضمن لأسرته حياة كريمة من نتاج يده.

وعود حكومية.. انتظار طال أمده

بمزيج من المرارة والأمل، يستحضر “عالين” ذكرى زيارة ميدانية لفرق وزارة الزراعة لمزرعته، حيث سُجل اسمه حينها ضمن قائمة المستفيدين من دعم يشمل قطعاً أرضية وتقنيات سقي حديثة. لكن، وحتى اللحظة، بقيت تلك الوعود “حبراً على ورق”. لا يزال “عالين” يترقب التفاتة حقيقية تعينه على مواجهة تكاليف الإنتاج ومعوقات السقي، ليواصل رسالته النبيلة في تأمين قوت عياله من عرق جبينه الطاهر.

إعداد: بتار محمد الحسن الشرفه (يعقوب)