كيف يقف عاقلٌ ضد مظلوم؟

لا أستغربُ أن يقف نظامٌ عميل، ورث العمالة أباً عن جد، في صف المعتدين الأمريكيين وحلفائهم الصهاينة؛ لأن هذه الأنظمة صنعها الاستعمار الإنجليزي وقادها حتى تسلمها منه النظام الأمريكي بعد خروجه منتصراً من الحرب الكونية الثانية. إنها أنظمة تابعة خاضعة، تدور مع الأمريكيين حيث داروا.

ولا نستغرب كذلك أن يقف بعض مَن يدّعي العلم -وحقيقته أنه طائفي مغفل مشحون بالحقد- ضد من يسميهم “رافضة خارجة عن الملة”، فبعض مواقفهم ليست إلا إملاءات من الحكام الخاضعين لأسيادهم الإمبرياليين الظالمين. كما لا نستغرب مواقف الإعلاميين والأقلام المرتزقة المأجورة إذا وقفوا مع الحكومات العميلة، وانضموا للمعتدين وعادوا من يقاومهم!

لكننا نستغربُ، ونستهجن، ونعيب بأشد الصيغ، على مَن يدّعي الصلة بالثورة العربية -سواء كانت بعثية أو ناصرية أو ماركسية- حين يتبنى تجاه إيران وحلفائها نفس موقف أمريكا وإسرائيل، أو يتخذ موقفاً سلبياً ممن يواجه المعتدين، فيساوي بين الإخوة في الدين والجوار والتاريخ المشترك، وبين العدوّين اللدودين. إن هؤلاء لا يدركون أن المقاومين يتصدون مضطرين لمعتدين يغزونهم بخطط ومواقف معلنة، ويريدون القضاء عليهم لأنهم يدعمون المقاومة، ويرفضون التسليم بانتزاع أرض فلسطين العربية من أهلها، وتدنيس أولى القبلتين، الأقصى المبارك!

فلا يمكن لأحد أن يتصور مبلغ الغباء لدى مَن يخفى عليه أن خلافاً معيناً في مرحلة من المراحل، لا يمكن أن ينسف تاريخ شعب كشعب الفرس، الذي شارك العرب ومختلف الشعوب حمل راية الإسلام طوال 1400 سنة، مندمجين في رحلة حضارية رائعة. لقد كان الفرس في المقدمة لخدمة الدين الإسلامي والثقافة العربية؛ فألفوا “الصحاح” في الحديث، وأنشأوا أول المذاهب (المذهب الحنفي)، وطوروا النحو وعلوم اللغة والبيان والعروض، وتفوقوا في الفلسفة والطب ومختلف مجالات العلم، جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف مع إخوتهم، ولم يكن أحد يميزهم عن غيرهم من قادة الأمة وروادها.

أيمكن أن تُمحى كل هذه الرحلة الحضارية وتصبح شعارات ونعوت غير دقيقة مثل “الصفوية” وأشباهها كافية لتغطية هذا التاريخ الناصع الممتلئ بالعطاء؟! أيمكن لخلاف في مرحلة تاريخية أن يكون سبباً لعداء يساوي العداء لمن احتل الأرض، وهجر وشرد مواطنيها، واقترف أعمال إبادة وتطهير عرقي ضدهم؟!

ألا يعلم أولئك المغفلون التائهون أن المبادئ التي تأسس عليها الفكر الصهيوني تقف سداً منيعاً دون قيام الأمة ووحدتها وحريتها؟ إن كل سياسات الصهيونية وحلفائها تهدف لمحاربة كيان الأمة، والحيلولة بينها وبين طموحها، والعمل دائماً على تشتيتها ومنعها من نيل السلام في حاضرها ومستقبلها.

إن أقوى قوة في العالم، المدعومة بأعتى أجهزة المخابرات والتطور التكنولوجي والتسليحي والذكاء الاصطناعي، هي قوة ظالمة طاغية لم يجد منها العرب طيلة تاريخهم إلا الأذى والمحاربة لكل ما ينفعهم. إنهم يقودون حكومات المنطقة العميلة، ومهمتهم الدائمة هي قتل ومحاصرة وخنق كل مَن لا يطيعهم ولا يطيع ربيبتهم في المنطقة.

إن أي قوة تتمتع ببصر وبصيرة -سلمها الله من التضليل- يتوجب عليها اتخاذ موقف ضد الظلم بكل ما تستطيع؛ فمنهم مَن يستطيع الفعل، ومنهم مَن يملك القول، أو على الأقل أن يكون قلبه مع الحق وضد الظلم.. وما سوى ذلك لا يمكن تصوره، رغم أننا في زمن الغرائب!

بقلم: التراد ولد سيدي