
الريادة: في مشهد دولي تتصاعد فيه حدة التوترات الجيوسياسية وتتراجع فيه ثقة المستثمرين بعدد من الاقتصادات الناشئة، جاء تثبيت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” تصنيفها الائتماني السيادي للإمارات عند مستوى “AA/A-1+” للعملتين المحلية والأجنبية، بنظرة مستقبلية مستقرة، ليكشف عن عمق بنية اقتصادية متينة لا تهتز أمام تقلبات الأسواق.
وتعد الوكالة من أكثر مؤسسات التقييم صرامة في العالم، إذ أنها لا تمنح هذا المستوى إلا لاقتصادات أثبتت قدرتها على الجمع بين الانضباط المؤسسي والعمق المالي والمرونة الهيكلية في آن واحد، وهو ما باتت الإمارات تجسده نموذجاً يحتذى به عالمياً.
اقتصاد يسير بثقة
ما يلفت في تقرير “إس آند بي” ليس التصنيف ذاته فقط بقدر ما يكشفه من أرقام هيكلية، فتقدير صافي الأصول الحكومية المجمعة بنحو 184% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، يضع الإمارات في مصاف نادر من الدول التي تملك ثروة سيادية تتجاوز بمراحل حجم اقتصادها السنوي.
وتكشف أرقام التقرير عن اقتصاد يسير بثقة على مسار التنويع الذي رسمته له القيادة منذ سنوات، إذ باتت القطاعات غير النفطية تمثل نحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر جلي على أن الإمارات لم تعد اقتصاداً ريعياً بالمعنى التقليدي، بل منظومة إنتاجية متكاملة تمتد من الخدمات المالية والسياحة إلى التقنية والخدمات اللوجستية.
ويؤكد التقرير أن الاحتياطيات المالية الكبيرة والمرونة في السياسات الاقتصادية تمنح الإمارات قدرة عالية على التعامل مع التطورات الجيوسياسية، بما يدعم استمرار الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال السنوات المقبلة.
انضباط مالي
وفي هذا السياق، أكد المتخصص في الشؤون الاقتصادية وريادة الأعمال، عمران ثوبان، أن “ما يميز الحالة الإماراتية عن كثير من الاقتصادات المصنفة بمستويات مشابهة هو أن قوتها المالية ليست وليدة اللحظة، بل هي بنية متراكمة على مدى عقود من الانضباط المالي وإعادة توجيه الفوائض نحو أصول سيادية منتجة، وتثبيت تصنيف الوكالة اليوم هو في حقيقته اعتراف بسياسات الأمس”.
ونوه عمران إلى أن “تصنيف وكالة ستاندرد آند بورز يكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة تحديداً، إذ تأتي وسط مشهد إقليمي بالغ الحساسية وتقلبات في الأسواق، ويعد ثبات التصنيف عند AA توثيقاً لنموذج الإمارات في الحوكمة الاقتصادية يراهن على المدى البعيد”.
قدرة استثنائية
من جانبه، رأى الخبير في الشأن الاقتصادي، مأمون أبو العز، أن “القطاع المصرفي الإماراتي يقف اليوم شاهداً على عقود من السياسات الرشيدة والرقابة المحكمة، إذ أثبت قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة موجات الاضطراب المالي العالمي، وتتضافر هذه القوة المصرفية مع تنوع اقتصادي حقيقي جعل من الإمارات نموذجاً فريداً في المنطقة”.
ولفت إلى أن “هذه المنظومة تستند إلى مستويات عالية من المرونة المالية والاقتصادية، تتجلى في قدرة الحكومة على ضبط إيقاع إنفاقها وتوجيه استثماراتها بمرونة تامة بعيداً عن إكراهات الديون أو ضغوط العجز، لتخرج الإمارات من كل اختبار أكثر رسوخاً وأعمق ثقة في مسارها الاقتصادي”.




