
في حي “لعگيلة” الشعبي بالعاصمة نواكشوط، يجلس “إيدوم” (63 عاماً) في محله التجاري، عيناه لا تفارقان شاشة التلفاز الصغيرة المثبتة في الركن. الرجل الستيني، الذي عايش تحولات كبرى في المنطقة، يتابع تفاصيل الهجمات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران منذ لحظاتها الأولى، مقاطعاً تركيزه فقط زبون عابر أو رنين هاتف.
نبض الشارع: “أزيزٌ يُثلجُ الصدور“
يقول إيدوم وهو يترقب أخبار الرد الإيراني: “كان الرد سريعاً ومناسباً“. ورغم إدراكه لحجم الفاجعة، يضيف بنبرة تجمع بين الحزن والاعتزاز: “نعم، الصدمة كبيرة على الإيرانيين والثمن باهظ، لكن أزيز الطائرات في قلب تل أبيب ومشاهد الدمار في إسرائيل تثلج الصدور“. بالنسبة له، ولجيله، تعيد هذه اللحظات استحضار ذاكرة “انتصارات المسلمين” في هذا الشهر الكريم، محوِّلة الألم إلى وقود للأمل.
ولم تكن أحياء نواكشوط الشعبية وحدها “الساخنة”، بل إن فضاء (فيسبوك) الموريتاني شهد غلياناً غير مسبوق. فقد تحولت الصفحات الشخصية والمجموعات الإخبارية إلى منصات للتحليل العسكري والسياسي، وتنوعت المنشورات بين رثاء القادة الذين سقطوا في الغارات، وتداول مقاطع فيديو للصواريخ والمسيّرات، ودعوات للنصر والتمكين.
فيسبوك الموريتاني يشتعل
في قراءته للمشهد، لم يتردد الإعلامي الداه يعقوب في توجيه نقد لاذع للتحالفات الدولية، معتبراً أن المنطقة باتت “على فوهة بركان”. ورأى أن الهجوم كشف هشاشة الحليف الروسي، واصفاً موسكو بأنها “دون المستوى”، مؤكداً أنها “تتوارى عن الأنظار” في وقت الشدة، تاركة حلفاءها أمام مخالب القوة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
وفي تدوينة أثارت جدلاً واسعاً، برر حبيب الله أحمد القصف الإيراني للقواعد الأمريكية في الخليج، متبنياً رؤية قانونية خاصة تقول إن: “القواعد الأجنبية تمثل استهدافاً لمنطقة غير خاضعة لسيادة الدولة المستضيفة، وبالتالي فإن قصفها ليس انتهاكاً لسيادة تلك الدول، بل هو استهداف لمواقع العدو التي يبسط عليها نفوذه“.
خاتمة
بين أزقة “لعگيلة” ولهيب الأحداث في طهران وتل أبيب، تختصر المسافات بالمشاعر القومية والدينية. حديث إيدوم يعكس اهتمام المواطن الموريتاني الذي يرى في كل طائرة مسيّرة ردّاً لاعتبار الأمة. ورغم تباين التحليلات السياسية، يظل الإجماع في الشارع على أن الكرامة ثمنها باهظ، لكن نتائجها تستحق الانتظار. فالموريتانيون ليسوا بعيدين عن قضايا أمتهم، بل هم في قلب الحدث بقلوبهم وألسنتهم.
بتار يعقوب الشرفة – للريادة




