
الريادة: نظم مركز الدراسات والأبحاث التربوية، صباح اليوم، ندوة علمية موسّعة ببلدية عرفات في ولاية نواكشوط الجنوبية، تحت عنوان: “التعليم باللغة الأم في موريتانيا: التحديات التربوية وآفاق التطوير“، وذلك احتفاءً باليوم الدولي للغة الأم الذي خُصّص هذا العام لإبراز أهمية اللغات الوطنية في تعزيز التعلم الشامل والمستدام.
وقد شهدت الندوة حضوراً نخبويًا لافتاً، ضم أكاديميين وباحثين تربويين وخبراء في السياسات التعليمية، إضافة إلى ممثلين عن الأسرة المدرسية والمجتمع المدني، مما منح النقاش طابعاً علمياً وتشاركيًا واسعاً، يعكس اهتماماً وطنياً متزايداً بملف لغات التدريس وارتباطه بجودة التعليم.
وفي الكلمة الافتتاحية، أبرز نائب رئيس المركز، الدكتور با حمادي حسين، أن هذه الندوة تأتي في إطار برنامج المركز “نقاشات حول التعليم في موريتانيا“، وهو سلسلة من الفعاليات الأكاديمية التي تهدف إلى فتح فضاءات للحوار الجاد حول مستقبل التعليم، على قاعدة من البحث الرصين والمعطيات العلمية.
وأكد الدكتور با حسين أن معالجة ملف لغات التدريس تتطلب فهماً عميقاً للسياق الموريتاني متعدد اللغات، ومسؤولية مشتركة تشارك فيها الدولة والمجتمع، لافتاً إلى أن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينجح إلا عبر نقاش علمي تشاركي يستوعب مختلف وجهات النظر ويستند إلى الأدلة التربوية والتجارب المقارنة.
واعتبر نائب رئيس المركز أن إنشاء مركز الدراسات والأبحاث التربوية جاء تفاعلاً مع الزخم الوطني الذي أعقب قرار إنشاء وزارة للتربية وإصلاح النظام التعليمي لأول مرة في تاريخ موريتانيا، في خطوة وصفها بأنها “محطة مفصلية” جعلت من التعليم أولوية عليا في برنامج الإصلاح الوطني.
وأشار إلى أن المركز يسعى، من خلال الدراسات والندوات وورشات التفكير، إلى دعم هذا التوجه الإصلاحي عبر توفير أرضيات معرفية تساعد في صياغة سياسات تعليمية أكثر فاعلية واستدامة.
وفي مداخلة محورية، قدّم رئيس المركز، الدكتور المختار ولد حنده، عرضاً فنياً معمقاً تناول فيه تطور النظام التربوي الموريتاني منذ مطلع التسعينات، مروراً بمختلف مراحل الإصلاح، وصولاً إلى الإصلاح الشامل الذي أُطلق سنة 2020.
وتوقف الدكتور ولد حنده عند الروابط الوثيقة بين جودة التعليم واعتماد اللغة الأم في السنوات الأولى، مشيراً إلى أن الدراسات الدولية أثبتت أن تعليم الطفل بلغته الأم يعزز الفهم ويقلص الفجوات التعليمية ويحسن مستويات التحصيل. كما أكّد أن الانتقال إلى تعليم فعّال باللغة الأم يتطلب مناهج مناسبة، ومعلمين مؤهلين، ووسائل بيداغوجية ملائمة، وبيئة مدرسية محفزة.
وقدّم رئيس المركز قراءة مقارنة لتجارب دول متعددة اللغات، مبرزاً كيف استفادت بعض الدول الإفريقية من التنوع اللغوي لتطوير مناهج أكثر شمولاً، مؤكداً أن موريتانيا تمتلك بدورها رصيداً لغوياً وثقافياً يمكن تحويله إلى قوة تعليمية إذا توفرت الرؤية الواضحة والوسائل المناسبة.
وأضاف أن حماية المكتسبات التربوية التي تحققت خلال العامين الماضيين واجب وطني لا يقتصر على المؤسسات الحكومية، بل يشمل جهود المجتمع المدني والأسر والباحثين.
واختتمت الندوة بسلسلة من المداخلات التي قدمها عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن التربوي، حيث ركزت التدخلات على:
- ضرورة إعداد استراتيجية وطنية لتنمية اللغات الوطنية في التعليم.
- أهمية تكوين المعلمين في مجال اللغات الأم وطرائق تدريسها.
- تعزيز الشراكات بين البلديات والمراكز البحثية والقطاع التربوي.
- دعم البحث العلمي في مجال اللغة واكتساب المهارات الأساسية.
- ربط التعليم باللغة الأم بهوية المجتمع الموريتاني ووحدته الوطنية.
وأشاد المشاركون بالدور المتصاعد لمركز الدراسات والأبحاث التربوية في توفير فضاء علمي مستقل للحوار والتفكير الاستراتيجي حول قضايا التعليم، معتبرين أن هذه المبادرات تشكل إضافة نوعية للمشهد التربوي الوطني.

















