
لم يكن نفي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي لاختفاء 450 ملياراً مجرد دفاع عن حصيلة حكومية، بل كان إيذاناً بإرساء قواعد اشتباك جديدة مع المعارضة والشارع، قوامها “الوثيقة لا الإشاعة”.
ومن خلال تصنيفه للفساد إلى أبعادٍ ثلاثة (سياسي، وإداري، ومالي)، يبدو أن الحكومة تقرّ بضراوة المعركة وصعوبتها، لكنها ترفض في الوقت ذاته أن تُخاض بأسلحة مغلوطة أو بيانات مرسلة.
إن ولد أجاي، القادم من خلفية اقتصادية وإحصائية، يدرك جيداً أن “سلاح الرقم” هو الأكثر فتكاً في السجال السياسي؛ لذا جاء رده الصارم على “الأرقام الهلامية” بهدف تجريد الخطاب المعارض من عاطفيته المفرطة، ونقله إلى مربع الحسابات والميزانيات، في رسالة واضحة مفادها: “من لا يملك دليلاً محاسبياً، لا يملك حق الاتهام”.
وبنقله للنقاش من سياق “جريمة السرقة العابرة” إلى مفهوم “الاختلال البنيوي”، حقق هذا التصنيف الثلاثي للحكومة هدفين استراتيجيين؛ الأول هو الواقعية في الاعتراف بأن الفساد منظومة إدارية مترهلة وممارسات سياسية متراكمة وليس مجرد انحراف أفراد، والثاني هو إدارة سقف التوقعات عبر إفهام الشارع أن استئصال هذه الجذور يتطلب نفساً طويلاً وإصلاحاً مؤسسياً لا يكتفي بالقرارات الفوقية.
إن شعار “الوثيقة لا الإشاعة” يمثل محاولة جادة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الرقابية، حيث تراهن الحكومة على أن الاحتكام لتقارير محكمة الحسابات والمفتشية العامة سيقلل من حدة “التشويش” الإعلامي، وهو رهان يضع السلطة أمام اختبار المكاشفة: هل ستكون هذه الوثائق متاحة للجمهور بشفافية كاملة؟
ختاماً، معالي الوزير، يشير خطابكم “التقني” هذا إلى رغبتكم كنظام في فرض لغة جديدة للحوار الوطني تعتمد البيانات الصلبة بدلاً من الشعارات الفضفاضة، ومع ذلك يظل التحدي قائماً في قدرة الإدارة على إثبات صدقية هذه الأرقام عبر تحسين الواقع المعيشي؛ فالمواطن في نهاية المطاف لا يقرأ الميزانيات، بل يلمس أثرها في تفاصيل حياته اليومية.
صاحب المعالي، إن نجاحكم في “تأميم” الخطاب الرقمي وتحويله إلى حصن ضد الانتقادات، يظل رهيناً بمدى قدرة هذه الأرقام على مغادرة دفاتر المحاسبة والتحول إلى حلول ملموسة لأزمات الغلاء والبطالة وترهل الخدمات.
فالثقة بين الحاكم والمحكوم كما تعلم لا تُبنى فقط بسلامة الموازنات المالية، بل بمدى انعكاس تلك الموازنات على مائدة المواطن البسيط؛ وإلا فإن “البيانات الصلبة” ستواجه خطر التحول إلى مجرد أرقام صماء، تعجز عن إقناع شارعٍ لا يزال يقيس “الإنجاز” بمدى توفر العيش الكريم لا بجودة الرسوم البيانية.




