
الريادة: أحدث اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تطورًا سياسيًا لافتًا، سرعان ما تجاوز حدود البلاد ليشعل انقسامًا حادًا داخل مجلس الأمن الدولي، ويعيد إلى الواجهة الخلافات العميقة بين القوى الكبرى بشأن مفهومي الشرعية والتدخل الدولي.
وخلال جلسة طارئة لمجلس الأمن، تباينت مواقف الدول الأعضاء بشكل واضح. الولايات المتحدة، مدعومة بعدد من الدول الأوروبية، اعتبرت أن اعتقال مادورو يمثل «خطوة ضرورية في مسار المساءلة السياسية والقانونية»، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن ما وصفته بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وتقويض المؤسسات الديمقراطية في فنزويلا.
وقالت المندوبة الأميركية إن التطورات الأخيرة «تفتح نافذة لإعادة بناء المسار السياسي على أسس ديمقراطية»، داعية المجتمع الدولي إلى دعم عملية انتقال سياسي تضمن الاستقرار وتمنع عودة البلاد إلى حالة الاضطراب.
في المقابل، اتخذت روسيا والصين موقفًا مضادًا بشدة، حيث وصفتا الاعتقال بأنه «انتهاك فاضح لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة»، معتبرتين أن ما جرى يمثل سابقة خطيرة قد تُستخدم لتبرير تدخلات مشابهة في دول أخرى. وحذرت موسكو وبكين من أن تسييس العدالة الدولية من شأنه تعميق الانقسام وتقويض دور مجلس الأمن.
أما دول أمريكا اللاتينية، فجاءت مواقفها أكثر حذرًا. فقد دعت البرازيل والمكسيك إلى التهدئة وتغليب الحلول السياسية، مؤكدة أن استقرار فنزويلا لا يمكن تحقيقه إلا عبر حوار وطني شامل يحظى بضمانات إقليمية ودولية ويحترم إرادة الشعب الفنزويلي.
من جانبه، دعا الأمين العام للأمم المتحدة جميع الأطراف إلى ضبط النفس، مشددًا على أهمية احترام سيادة القانون وحماية المدنيين، ومؤكدًا استعداد المنظمة الدولية للاضطلاع بدور الوسيط إذا ما توفرت الإرادة السياسية لذلك.
خلفية الأزمة الفنزويلية
وتعود جذور الأزمة الفنزويلية إلى سنوات طويلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، تفاقمت منذ تولي نيكولاس مادورو السلطة عام 2013 خلفًا للرئيس الراحل هوغو تشافيز. وشهدت البلاد منذ ذلك الحين انقسامات سياسية حادة، وانتخابات مثيرة للجدل، إلى جانب انهيار اقتصادي غير مسبوق، رافقته أزمة معيشية خانقة ونزوح ملايين الفنزويليين إلى دول الجوار.
وفي عام 2019، بلغت الأزمة ذروتها بعد اعتراف عدد من الدول الغربية بزعيم المعارضة آنذاك خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا للبلاد، مقابل تمسك مادورو بالسلطة بدعم من الجيش وحلفائه الدوليين، وعلى رأسهم روسيا والصين وإيران.
ورغم تراجع زخم المواجهة السياسية في السنوات الأخيرة، فإن جذور الصراع ظلت قائمة في ظل غياب تسوية شاملة تحظى بإجماع داخلي ودولي.
ويرى مراقبون أن اعتقال مادورو يمثل محطة مفصلية جديدة في مسار الأزمة، لكنه في الوقت ذاته يعكس عمق الانقسام الدولي، ويعيد طرح تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في فنزويلا، ودور المجتمع الدولي في إنهاء واحدة من أعقد الأزمات السياسية في أمريكا اللاتينية.
وفي ظل غياب توافق داخل مجلس الأمن، تبقى الأزمة الفنزويلية مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تسوية سياسية برعاية دولية، أو تصعيد دبلوماسي قد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.




