عقيدة القوة وتهاوي الشرعية الدولية: فنزويلا كنموذج للمخاض العالمي الجديد

الريادة: لا يمكن قراءة الهجوم الأمريكي الأخير على فنزويلا بمعزل عن السياق التاريخي للتدخلات الجيوسياسية. في أمريكا اللاتينية، لكنه في هذه المرة يتجاوز كونه “حدثاً عابراً” ليتحول إلى نقطة تحول استراتيجية في مسار العلاقات الدولية.

نحن اليوم لا نراقب مجرد عملية عسكرية محدودة، بل نعاين عملية إحلال قسري لـ “منطق القوة” محل “قوة. المنطق الدبلوماسي”، وهو ما يعكس بوضوح انسداد أفق الحوار لصالح الهيمنة العسكرية المباشرة.

تآكل السيادة في عصر الأحادية

إن الاعتداء على سيادة الدول، ومحاولة هندسة الأنظمة السياسية من الخارج. عبر إقصاء رؤسائها -بصرف النظر عن الموقف من سياساتهم- يضع الأمن الدولي برمته في مهب الريح.

هذه الممارسات لا تكتفي بخرق المواثيق، بل تقوّض “الأسس الستفالية” التي قام عليها النظام العالمي. والتي تعلي من شأن السيادة الوطنية كدرع حامٍ للدول.

عندما يصبح اختلاف الرؤى السياسية مع القوى الغربية مسوغاً للتدخل العسكري، فإننا نتحول . من عالم تحكمه “المؤسسات” إلى عالم تحكمه “الإرادات المنفردة”. وهو ما يحوّل القانون الدولي إلى مجرد نصوص أدبية بلا تأثير حقيقي على أرض الواقع.

و منذ تولي الإدارة الأمريكية الحالية ولايتها الثانية، بدا أن السياسة العالمية قد فقدت صمامات. الأمان التي كانت تمنحها نوعاً من التوازن التقليدي. لقد تراجعت سياسة “تعدد الأقطاب” أو حتى “المشاركة الدولية” لصالح مركزية قرار شديدة الانغلاق.

اليوم، يتبدى المشهد وكأن العالم يُدار من “غرفة واحدة”؛ حيث يتفرد مركز قرار واحد بتوجيه مسارات. الأحداث الكبرى، متجاهلاً المنظمات الدولية والمواثيق الجماعية التي كان يُفترض أن تكون هي المرجع النهائي لفض النزاعات.

هذا التفرد لا يهدد الأنظمة المستهدفة فحسب، بل يفرغ مفهوم “المجتمع الدولي” من محتواه القيمي والعملي.

هذا التحول الجذري يضعنا جميعاً أمام أسئلة جوهرية تمس صميم الاستقرار العالمي:

  • أولاً: هل نحن بصدد إعلان الوفاة السريرية لمفهوم “الأمن الجماعي” الذي قامت عليه الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؟
  • ثانياً: هل ستصبح القوة الخشنة هي الأداة الوحيدة والنهائية لحل الخلافات، مما يعني عودة “دبلوماسية البوارج” بصورتها الحديثة؟
  • ثالثاً: وهو الأهم بالنسبة لنا، ما هو مصير الدول الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك ترسانات عسكرية كبرى؟ هل ستظل سيادتها رهينة لمدى توافقها مع مصالح القوى العظمى؟

إن ما حدث في فنزويلا ليس واقعة معزولة جغرافياً، بل هو مؤشر على “عدوى دولية” مقلقة، حيث. تتراجع الدبلوماسية لتصبح مجرد بروتوكول شكلي يسبق القصف.

إذا استمر هذا النهج في تقديس “النفوذ” على حساب “القانون”، فإن العالم مقبل على مرحلة من السيولة والفوضى، قد تعيدنا إلى أجواء الحرب الباردة، أو ربما إلى صدامات أوسع نطاقاً تتجاوز قدرة المؤسسات الدولية على الاحتواء.