موريتانيا بعد 65 عامًا من الاستقلال بين السيادة المستعادة والتنمية المؤجلة

الريادة: بعد أيام قليلة من الآن، تحلّ علينا الذكرى الخامسة والستون لاستقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية عن الاستعمار الفرنسي، في لحظة وطنية تتجاوز الطابع الاحتفالي لتلامس جوهر السؤال التاريخي: ماذا تحقق منذ 28 نوفمبر 1960؟ وما الذي لا يزال مؤجلاً في مشروع الدولة الوطنية؟

في مثل هذا الوقت من العام، تعود الذاكرة الجمعية إلى لحظة إعلان السيادة، حين ارتفعت راية الجمهورية الوليدة في سماء نواكشوط، إيذانًا بانطلاق مسار وطني طموح، حمل آمال التحرر، وبناء المؤسسات، واستعادة القرار الوطني.

 لكن هذا المسار، الذي بدأ بخطاب التأسيس، لم يكن مستقيمًا ولا معبّدًا كما يعتقد البعض؛ فقد تعرّض لهزات عنيفة، من انقلابات عسكرية متلاحقة، إلى تجارب ديمقراطية متعثرة، مرورًا بإصلاحات اقتصادية متفاوتة الأثر، وتحديات تنموية مزمنة.

خمسة وستون عامًا من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لم تكن مجرد تواريخ متعاقبة، بل محطات فارقة أعادت تشكيل ملامح الدولة، وأعادت طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة الحكم، وعدالة التنمية، واستقلالية القرار، ومكانة المواطن في قلب المشروع الوطني.

في هذا الملف الخاص، تستعرض الريادة أبرز ملامح كل مرحلة من مراحل الدولة الحديثة، من التأسيس إلى اليوم، في محاولة لفهم ما تحقق، وما لم يتحقق بعد، وما الذي تعنيه الذكرى الخامسة والستون في ضوء الحاضر، لا الماضي فقط.

1960-1978  : مرحلة التأسيس وبناء الدولة الوطنية

الرئيس الراحل المؤسس المختار ولد داداه

مع إعلان الاستقلال في 28 نوفمبر 1960، تولى الرئيس المختار ولد داداه قيادة البلاد، واضعًا أسس الدولة الوطنية الحديثة. تم اعتماد دستور الجمهورية، وتأسيس المؤسسات السيادية، وصولا لمرحلة إطلاق عملة وطنية تسمى (الأوقية)، وبناء العاصمة نواكشوط من الصفر وذلك على الرغم من شح الموارد، إلا أن الدولة سعت إلى توسيع التعليم، وتطوير الإدارة، والانخراط في المنظمات الإقليمية والدولية.

بيد أن نهاية هذه المرحلة تزامنت مع دخول البلاد في حرب الصحراء، ما أدى إلى إنهاك اقتصادي وتوتر داخلي، فتح شهية المؤسسة العسكرية ورجالها الأقوياء آنذاك على سلسلة من الانقلابات العسكرية كان أولها في يوليو عام  1978.

1978 – 1984 مرحلة الانقلابات المتتالية وتآكل الاستقرار

بدأت هذه المرحلة بانقلاب العقيد المصطفى ولد السالك، لتدخل البلاد في دوامة من الانقلابات العسكرية، حيث تعاقب على الحكم عدد من الضباط في فترات قصيرة، أبرزهم أحمد ولد بوسيف، ومحمد محمود ولد أحمد لولي، ثم محمد خونا ولد هيداله.

تميزت هذه الفترة بغياب الاستقرار السياسي، وتراجع التنمية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وسط محاولات متعثرة للخروج من تبعات حرب الصحراء.

1984 – 2005 حكم معاوية ولد الطايع… مركزية السلطة وتعددية شكلية

الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع

في الثاني عشر من  ديسمبر 1984، تولى العقيد معاوية ولد الطايع السلطة بعيد تنفيذه لانقلاب أبيض، على حكم العقيد محمد خونه ولد هيدالة،  ليبدأ أطول عهد رئاسي في تاريخ البلاد. حيث شهدت هذه المرحلة إدخال التعددية الحزبية عام 1991، وتنظيم انتخابات دورية، لكنها وُصفت بأنها شكلية في ظل هيمنة الحزب الحاكم.

صورة نادرة للرئسان السابقان محمد خونه ولد هيدالة ومعاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع

عرفت البلاد خلال هذه الفترة تطورًا في البنية التحتية والتعليم، لكنها واجهت أزمات حادة، أبرزها أحداث 1989 العرقية، ومحاولات انقلابية متكررة، وانتهاكات لحقوق الإنسان، ما أدى إلى تآكل شرعية النظام.

2005 – 2008 انتقال ديمقراطي قصير الأمد

صبيحة الــــ3 من  أغسطس 2005، شهدت البلاد تحولًا سياسيًا مفصليًا حين أطاح انقلاب عسكري قاده العقيد الراحل  أعلي ولد محمد فال بالرئيس معاوية ولد الطايع، منهياً بذلك أطول عهد رئاسي في تاريخ البلاد. ورغم الطابع العسكري للانقلاب، أعلن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية التزامه بتنظيم مرحلة انتقالية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي.

خلال هذه المرحلة، تم إعداد خارطة طريق سياسية شملت مراجعة القوانين الانتخابية، وتحييد الإدارة، وتوسيع الحريات العامة، ما مهّد لتنظيم انتخابات رئاسية في مارس 2007، وُصفت بأنها الأكثر شفافية في تاريخ البلاد حتى ذلك الحين. وأسفرت الانتخابات عن فوز المرشح المدني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، في أول تداول سلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع.

الرئيسان السابقان الراحلان: سيدي ولد الشيخ عبد الله وأعل ولد محمد فال

لكن الفرحة بهذا التحول الديمقراطية  لم تدم طويلًا. ففي أغسطس 2008، أطاح انقلاب عسكري جديد بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز بالرئيس المنتخب، بعيد خلافات حادة روج على أنها بينه وبين الأغلبية البرلمانية، بيد أن الوقائع والشواهد تقول غير الذي قيل في تلك الفترة، هذا الوضع أعاد البلاد إلى مربع الحكم العسكري، وأثار جدلاً واسعًا حول هشاشة المؤسسات الديمقراطية، وضعف الضمانات الدستورية أمام تدخل المؤسسة العسكرية.

ورغم قصر هذه المرحلة، فإنها شكلت اختبارًا حقيقيًا لإرادة التحول الديمقراطي، وكشفت عن الحاجة إلى إصلاحات عميقة في بنية الدولة، تضمن استقلال السلطات، وتحمي التداول السلمي للسلطة من الانقلابات المتكررة.

2008 – 2019 :  عهد ولد عبد العزيز… مشاريع كبرى وسط جدل سياسي

في أعقاب انقلاب أغسطس 2008، تولى الجنرال محمد ولد عبد العزيز قيادة البلاد، معلنًا بداية مرحلة جديدة من الحكم العسكري ذي الطابع الانتخابي. وبعد استقالته من المجلس الأعلى للدولة، خاض الانتخابات الرئاسية في يوليو 2009، وفاز بها رسميًا، قبل أن يُعاد انتخابه في 2014، ليقود البلاد لعقد كامل.

تميزت هذه المرحلة بإطلاق مشاريع بنية تحتية واسعة، شملت تشييد طرق وموانئ ومرافق صحية وتعليمية، إلى جانب توسيع برامج الدعم الاجتماعي، مثل “برنامج أمل” و”التضامن الوطني”، التي استهدفت الفئات الهشة. كما عززت موريتانيا حضورها الإقليمي من خلال الانخراط الفاعل في مجموعة دول الساحل الخمس، وتقديم نفسها كقوة استقرار في المنطقة.

لكن هذه الإنجازات لم تحجب الجدل السياسي الذي رافق المرحلة، إذ شهدت البلاد توترات متكررة بين النظام والمعارضة، وتراجعًا ملحوظًا في الحريات الإعلامية، واتهامات بالفساد وسوء التسيير، خاصة في ملفات الصفقات العمومية والموارد الطبيعية. وقد أضعف ذلك الثقة في مؤسسات الدولة، رغم ما تحقق من استقرار أمني نسبي، وتراجع في وتيرة الانقلابات.

كما طغى الطابع الشخصي على إدارة الحكم، حيث اتُهم الرئيس بتكريس مركزية القرار، وتهميش المؤسسات الرقابية، ما أثار مخاوف من العودة إلى نمط الحكم الفردي، رغم وجود مؤسسات دستورية منتخبة.

انتهت هذه المرحلة بتسليم السلطة للرئيس المنتخب محمد ولد الشيخ الغزواني في أغسطس 2019، في أول انتقال سلس للسلطة بين رئيسين منتخبين، ما اعتُبر خطوة إيجابية نحو ترسيخ التداول السلمي، رغم استمرار التحديات البنيوية.

2019 – 2025 عهد الغزواني… إصلاح هادئ في مأمورية أولى، وترقب في الثانية

مع انتخاب محمد ولد الشيخ الغزواني رئيسًا للجمهورية في يونيو 2019، دخلت موريتانيا مرحلة جديدة من التهدئة السياسية والانفتاح النسبي، بعد عقد من الحكم العسكري الانتخابي. وقد تميزت مأموريته الأولى بخطاب إصلاحي متزن، ركّز على تعزيز اللحمة الوطنية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين أداء المؤسسات العمومية.

أطلق الرئيس الغزواني برامج اجتماعية واسعة، أبرزها “أولوياتي” و”التكافل”، مستهدفًا الفئات الهشة، إلى جانب مشاريع استراتيجية في الطاقة، أبرزها تطوير حقل الغاز المشترك “آحميم الكبير”، وتوسيع البنية التحتية في مجالات النقل والمياه والكهرباء. كما شهدت البلاد انفتاحًا نسبيًا على المعارضة، وتراجعًا في حدة الخطاب السياسي، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني، وتفعيل دور الدبلوماسية الإقليمية، خاصة في ملفات الساحل ومكافحة الإرهاب.

وفي عام 2024، جدد الشعب الموريتاني ثقته في الرئيس غزواني عبر صناديق الاقتراع، ليبدأ مأموريته الثانية وسط تطلعات متزايدة نحو تعميق الإصلاحات، وتسريع وتيرة الإنجاز، وتكريس دولة القانون والمؤسسات.

ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات البنيوية قائمة، أبرزها:

  • الفساد الإداري الذي يعيق فعالية السياسات العمومية ويضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
  • ضعف الخدمات الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والمياه، خاصة في المناطق الداخلية.
  • تفاوت التنمية بين الجهات، ما يعمق الفوارق الاجتماعية ويهدد التماسك الوطني.
  • الحاجة إلى ترسيخ الشفافية، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة.

ومع دخول مأموريته الثانية، يترقب المواطنون حصيلة ملموسة للإصلاحات الموعودة، وسط دعوات متزايدة لتوسيع المشاركة السياسية، وتفعيل الرقابة البرلمانية، وتعزيز العدالة الاجتماعية.

بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد 

كاتب وصحفي موريتاني – الريادة