
يبدو أن ما طرحه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من مبادرة لإنهاء الحرب في غزة قد أخذ حيّزاً واسعاً من النقاش الدولي، خصوصاً مع البنود التي شملت وقف إطلاق النار، إطلاق الرهائن،و إعادة الإعمار، بالإضافة إلى إقامة حكومة انتقالية ذات طابع تكنوقراطي بإشراف خارجي. وعلى الرغم من أن هذه البنود تبدو للوهلة الأولى خطوة في اتجاه التهدئة، إلا أن قراءة العملية بتأني يكشف حجم التحديات التي تجعل تطبيقها على الأرض أمراً بالغ التعقيد.
أولاً، وقف إطلاق النار وإطلاق الرهائن يمثلان حجر الزاوية في المبادرة. صحيح أن وجود جدول زمني محدد (72 ساعة) يعتبر نوعاً من الجدية، لكن المشكلة تكمن في انعدام الثقة بين الطرفين: إسرائيل قد تستمر في تنفيذ ضربات محدودة بذريعة “الأمن”، فيما قد تستخدم حماس ملف الرهائن كورقة ضغط إضافية. وهنا يبرز دور الوسطاء الدوليين في فرض آليات مراقبة دقيقة تضمن التزاماً متبادلاً، وهو أمر غير مضمون في ظل الانقسام السياسي والعسكري.
ثانياً، إدارة غزة المؤقتة المقترحة قد تفتقر منذ البداية إلى الشرعية. فالحديث عن “حكومة تكنوقراط” تحت إشراف مجلس دولي يقوده ترامب وشخصيات أخرى، يبدو وكأنه إقصاء متعمّد للفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس. ومن دون إشراك حقيقي للفلسطينيين في صياغة مستقبلهم، فإن أي إدارة ستكون أشبه بسلطة مفروضة من الخارج، سرعان ما تواجه مقاومة شعبية أو مقاطعة مدنية.
ثالثاً، ملف إعادة الإعمار هو العنوان الأكثر إغراءً والأصعب في التنفيذ. فبينما يتحدث الاتفاق عن ضخ مساعدات دولية واستثمارات كبرى في البنية التحتية، فإن السيطرة الإسرائيلية على المعابر ستبقى العامل الحاسم في السماح بدخول المواد أو الوقوف في وجه ذالك . وتجربة السنوات الماضية أظهرت أن كل عملية إعمار تخضع لشروط أمنية صارمة تؤخر وصول المساعدات وتُحبط آمال المدنيين.
أما نزع السلاح فهو البند الأكثر حساسية واستحالة من الناحية العملية. إذ كيف يمكن مطالبة حماس بالتخلي عن سلاحها الذي يشكّل جوهر وجودها العسكري والسياسي؟ وحتى لو قبلت بتسوية جزئية، فإن الخوف من صعود فصائل أصغر وأكثر تطرفاً يظل قائماً، مما يعني أن معادلة الأمن ستبقى مفتوحة على احتمالات عديدة.
إضافة إلى ذلك، فإن القوة الدولية المقترحة تبدو حتى الآن فكرة رمزية أكثر من كونها آلية فعالة. فمن الصعب أن تقبل إسرائيل بوجود قوة أجنبية مسلحة بجوارها.
أخيراً، يبقى البعد السياسي للمبادرة غامضاً. فالحديث عن إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة بعد “إصلاحات” لا يقدم للفلسطينيين أي ضمانا حقيقياً نحو دولة مستقلة أو سيادة كاملة. وبالتالي، فإن الاتفاق قد يتحول إلى مجرد هدنة إنسانية مؤقتة، تُخفف المعاناة لبعض الوقت، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ولا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة.
##الخلاصة: اتفاقية ترامب تبدو في ظاهرها خارطة طريق للسلام، لكنها في واقعها مليئة بالعقبات العملية والسياسية. نجاحها يتطلب مشاركة فلسطينية حقيقية، وضمانات دولية شفافة، والتزاماً واضحاً من إسرائيل بوقف تدخلها في شؤون غزة. من دون ذلك، لن يكون الاتفاق سوى هدنة هشة ،سرعان ما تنهار أمام أول اختبار جدي.




