مركز الدراسات والأبحاث التربوية: حجر الزاوية في تطوير التعليم الموريتاني

الريادة: في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات، يظل التعليم حجر الأساس لأي تقدم مجتمعي، إذ يمثل المحرك الحيوي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي موريتانيا، حيث تتقاطع الطموحات الوطنية مع واقع يتطلب حلولًا مبتكرة ومستدامة، يبرز التعليم كأولوية استراتيجية لا غنى عنها لتمكين الأفراد والمجتمعات من بناء مستقبل أكثر إشراقًا واستدامة.

ونظرًا لأهمية هذا القطاع ودوره المحوري في النهوض بالأمم، تلعب مراكز الدراسات التربوية أدوارًا ريادية في صياغة رؤى الإصلاح وتقديم البدائل العلمية. ومن بين هذه المؤسسات، يبرز مركز الدراسات والأبحاث التربوية (CDER) كمؤسسة بحثية رائدة، تسعى إلى إحداث نقلة نوعية في المنظومة التعليمية عبر مقاربة علمية شاملة تضع التعليم في قلب مشروع التنمية الوطنية.

رؤية طموحة وأهداف استراتيجية

منذ تأسيسه على يد الدكتور المختار ولد حنده، انطلق المركز برؤية واضحة تهدف إلى دعم إصلاح التعليم وتحسين جودته من خلال الدراسات والأبحاث العلمية المتخصصة. وفي أحد لقاءاته مع المؤسسات الإعلامية، صرّح الدكتور ولد حنده قائلًا:

“نحن نؤمن بأن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتم إلا عبر مقاربة علمية شاملة، تبدأ بتحديث المناهج، وتمر بتأهيل المعلمين، ولا تنتهي إلا بتعزيز الشراكات مع الفاعلين في الحقل التربوي والإعلامي”.

وقد عمل المركز على تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، من أبرزها:

  • تطوير وتحديث المناهج التعليمية بما يتماشى مع المستجدات العالمية واحتياجات سوق العمل.
  • تحسين أساليب التدريس عبر الدراسات والأبحاث التي تقدم توصيات لتطوير التقنيات التعليمية.
  • تقييم الأداء التعليمي من خلال دراسة أداء النظام التعليمي بمختلف مكوناته، واقتراح الحلول المناسبة.
  • دعم صناعة القرار عبر تقديم الدراسات العلمية والتوصيات لوزارة التربية والجهات المعنية.
  • تعزيز ثقافة البحث التربوي وتشجيع الأفراد والمؤسسات على تبني البحث العلمي كأداة للتطوير.

برامج محورية لتطوير التعليم

يحرص المركز منذ نشأته، وبالتعاون مع شركائه، على تقديم برامج شاملة تهدف إلى تطوير النظام التعليمي والارتقاء بجودته، وذلك عبر أربعة محاور رئيسية:

  1. برنامج البحث العلمي والتطوير التربوي إعداد دراسات نظرية وميدانية تتناول أحدث المناهج وأساليب التدريس، وتحليل الاتجاهات التعليمية المعاصرة واقتراح حلول مبتكرة لتحديات التعليم في موريتانيا.
  2. برنامج التدريب المهني للمعلمين تنظيم دورات تدريبية متخصصة تستهدف المدرسين والإداريين، لتعزيز مهاراتهم التربوية والتقنية، وتحديث معارفهم بأحدث الاستراتيجيات في التدريس والإدارة التعليمية.
  3. برنامج فرص الدراسة بالخارج تقديم الدعم والإرشاد للطلاب الراغبين في متابعة تعليمهم خارج البلاد، عبر توفير معلومات حول أفضل المؤسسات الأكاديمية، والمساعدة في إجراءات القبول والمنح الدراسية، إضافة إلى برامج لتعلم اللغات وتطوير المهارات الفكرية والمهنية.
  4. برنامج الشراكات الاستراتيجية بناء علاقات تعاون فعالة مع مؤسسات تعليمية وبحثية دولية، بهدف تبادل الخبرات، وتطوير المناهج وفق المعايير العالمية، وتوسيع نطاق الفرص الأكاديمية والبحثية للطلاب والمدرسين.

أنشطة متعددة ومجالات تأثير واسعة

إلى جانب برامجه الأساسية، ينظم المركز ندوات وحوارات وطاولات مستديرة تتناول أبرز القضايا التربوية، ويعمل على تطوير قدرات العاملين في القطاع عبر أنشطة تشمل:

  • البحث والابتكار: تنفيذ مشاريع بحثية لتحسين السياسات والممارسات التعليمية.
  • النشر الأكاديمي: إصدار مجلات وتقارير تربوية لنشر المعرفة وتعزيز الثقافة البحثية.
  • التدريب والتوعية: تنظيم مؤتمرات وورش عمل لتطوير المهارات المهنية.
  • الاستشارات التربوية: تقديم الدعم الفني للمؤسسات التعليمية لتقييم السياسات وتنفيذ الإصلاحات.
  • التعاون الدولي: توقيع اتفاقيات مع مؤسسات عالمية لدعم التنقل الأكاديمي والتبادل الثقافي.

وفي لقاء آخر مع قناة الموريتانية، شدد الدكتور ولد حنده على أهمية تجاوز العقبات التاريخية التي واجهت إصلاح التعليم، مؤكدًا:

“لقد حان الوقت لتجاوز العقليات التي أعاقت إصلاح التعليم لعقود، والاستفادة من التجارب الوطنية والدولية، من أجل بناء مدرسة جمهورية حقيقية تحتضن الجميع”.

إن الدور الذي يضطلع به مركز الدراسات والأبحاث التربوية لا يقتصر على تقديم الحلول، بل يتجاوز ذلك إلى بناء رؤية تعليمية وطنية تستند إلى البحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي. وفي ظل التحولات العالمية، تظل الحاجة ملحة إلى مؤسسات بحثية تواكب التحديات وتبتكر في سبيل تطوير التعليم.

يبقى الرهان على التعليم رهانًا على المستقبل، وعلى مراكز الفكر التربوي أن تواصل دورها في صياغة هذا المستقبل، بكل ما يتطلبه من جرأة معرفية، وعمق في التحليل، ومرونة في التطبيق.

تقرير: بلال عالي أعمر لعبيد