رمضان بين زمنين / اباي ولد اداعة

مع إقتراب حلول شهر رمضان الكريم يحلو الحديث عن تجليات هذا الموعد وقيمه الإنسانية ، إذ لاشك أن رمضان هو شهر مبارك و مناسبة رائعة للإلتزام بالعبادة و وسيلة مشروعة للتقرب إلي الله و تقوية الإيمان به و النيل من مرضاته. و التصالح مع الذات و محاسبة النفس الأمارة و إحياء القلب و حفظ الجوارح و التركيز علي الجانب الروحي للحياة.

إضافة لتصحيح المسار الشخصي و التوجه نحو الله , في حين يجمع أهل الشرع أن أبرز ما يميز شهر الصيام و القيام هو ليلة القدر في ثوابها تفوق عبادة ألف شهر .

كما يشكل شهر رمضان أيضا فرصة كبيرة لتعزيز روح التآخ و التسامح بين الناس و إشاعة ثقافة التكافل و التآزر.

كما أنه مظهر عملي للمساواة الكاملة و إذابة الفوارق حيث أن الصيام يشترك فيه الغني و الفقير علي حد سواء في الشعور و الإحساس بالجوع طيلة فترة الصوم بشكل متساو.

فعلي العموم يشكل رمضان فرصة لترسيخ العديد من القيم الإنسانية الإسلامية العظيمة ينبغي اكتسابها و التحلي بها و غرسها في نفوس أبناء المجتمع.

بالإضافة إلي ما سبق فإن الصيام يمكن أن يساعد في السيطرة علي الشهوات الجسدية و النفسية و هو يعد بالتالي فرصة ثمينة للتحكم في النفس و تحسين القدرة علي التحمل والتحكم في الرغبات الشخصية و تعزيز الإرادة القوية لمواصلة السير علي الطريق الصحيح .

ما ميز رمضان قديما هو بساطة الحياة و تواضعها مع ضعف الوسائل و قلة الإمكانيات و قساوة الظروف .

رغم ذلك كله كان مجتمع أمس أكثر ألفة و محبة و تقاربا وتماسكا بين الأهل و الجيران  .

فاللقمة رغم بساطتها كانت مشتركة بين الجميع .

لعل هذا ما زاد من الترابط الإجتماعي حينها .

فمائدة الإفطار كثيرا ما تقتصر في الغالب علي صنف واحد يعتمد المنتوج المحلي كالحبوب و التمور و اللحوم و الألبان و غيرها .

فمن خصوصية هذا الشهر الكريم هو قيام الليل و صلاة التراويح و التهجد و الإكثار من قراءة القرآن وتدبر آياته.

سهرات ليلية تطبعها العفة و نقاء السريرة.

أما غوث الملهوث و المحتاج فتلك سمة ذلك الزمن الجميل لكنها الأميز في رمضان .

في حين أعتاد الموريتانيون قديما بالتزامن مع مواعيد الإفطار عبر أثير الإذاعة الوطنية قبل وبعد ظهور و تطور الإعلام المرئي ( التلفزة الموريتانية و الفضائيات ) و اكتساح الإعلام الرقمي المشهد الوطني،

الاستماع إلي أحاديث الإفطار بصوت فضيلة الشيخ محفوظ رحمه الله التي ألفناها سنين خلت من خلال دعواته الرمضانية المأثورة : ( الحمدلله ، اللهم لك صمت و علي رزقك أفطرت فأغفالي ما قدمت و ما أخرت  .

ذهب الظمأ و ابلت العروق و ثبت الأجر إن شاء الله ، اللهم بك نمسي و بك نصبح وبك نحيا وبك نموت و إليك المصير .

اللهم رب السموات السبع و رب العرش العظيم ربنا و رب كل شيء منزل التوراة و الإنجيل و الفرقان .

فالق الحب و النوي أعوذ بك من شر كل شيء انت آخذ بتوصيته .

انت الأول فليس قبلك شيء و انت الآخر فليس بعدك شيء و انت الظاهر فليس فوقك شيء و أنت الباطن فليس دونك شيء .

أقضي عنا الدين و أغنينا من الفقر .

يا من لا تراه العيون و لا تخالطه الظنون و لا يصفه الواصفون و لا تغيره الحوادث و لايري الدوائر و يعلم مثاقيل الجبال و مكاييل البحار و عدد قطر الأمطار و عدد ورق الأشجار .

و عدد ما أظلم عليه الليل و أشرق عليه النهار .

و لا تواري منه سماء سماءا ولا أرض أرضا و لا بحر ما في قعره و لا جبل ما في وعره. 

أجعل خير أعمالنا آخرها و خير أعمالنا خواتيمها و خير أيامنا يوم نلقاك فيه و انت راض عنا .) آمين .

نغتم فرصة قدوم هذا الشهر المبارك العظبم و ليلة شعبان للدعاء له و الترحم علي روحه الطاهرة تثمينا لما قدمه من عمل صالح للبلاد و العباد .

أما عن رمضان الحاضر الذي لا يخلو من تعقيدات الحياة رغم الطفرة النوعية .

نجد أن الكثير من العادات و التقاليد و القيم قد اندثرت و تلاشت معها أكلات شعبية بسيطة كانت تتزين بها الموائد الرمضانية قديما .

لتحل معها اطباق عربية و إفريقية دخيلة علي المجتمع من قبيل المكسرات و الحلويات و المحاشي كالسنبوسة و البطبوط و اكريب و أصناف الشربة و الطاجنة و العصائر الحديثة ….. ألخ .

حيث أصبح التباهي بالمعروض عبر وسائل التواصل أهم من اللمة و شعور الأنس بها .

فرمضان اليوم تبدلت فيه الأعراف و التقاليد في ضوء تحولات إجتماعية كبري شهدها المجتمع نتيجة لعولمة عارمة أكتسحت العالم و غزت البيوت و أستباحت الأعراض و الخصوصيات و تراجعت معها القيم المجتمعية و الثوابت الدينية و الوطنية .

حيث لم يعد الإهتمام بالجيران أو الأقارب ضمن الأولويات المعهودة وفق مقاصد الشريعة و الأعراف و التقاليد و العادات التي جبل عليها المجتمع الموريتاني .

فلا التراحم او الإحسان أو المودة تصل إلي سابع جار.

ناهيك عن معرفة أسماء الأشخاص و العوائل و الأسر داخل محيط الحي .

 ( كل يعمل علي شاكلته ) .

في انتظار أمل يربطنا بما هو أجمل من واقعنا في زمن أمتلأ بالخوف من المجهول و من مخاطر  تداعيات و تنامي معدلات الجريمة بالمدن الكبري بشكل غير مسبوق و عنيف دخيل علي مجتمعنا .

 و من اتساع دائرة الفساد و تدوير المفسدين و إستمرار الإفلات من المساءلة و العقاب و تغييب العدالة الإجتماعية  و تكريس النفاق السياسي و تعزيز النفوذ القبلي و تقويض مفهوم الدولة

في ظل الحديث عن بدء تصدير أول شحنة غاز طبيعي من حقل السلحفاة أحميم المشترك مع الجارة الجنوبية السينغال ، طال انتظارها لأسباب و عوامل تخص عملاق الغاز البريطاني الماكر BP

كان من المتوقع أن تسهم هذه الطفرة النوعية في المخزون و الإحتياط من الغاز و النفط بشكل جذري في تحويل الإقتصاد الوطني و تحديد نوعيته و هيكلته ،   مما قد يفتح آفاقا واعدة لتطوير إقتصاد البلد و خلق فرص هامة أمام المواطن المطحون .

إذا ما تم القطيعة مع ممارسات و سلوكيات الماضي الخاطئة بشكل يعزز قيم النزاهة و الشفافية في تسيير المال العام .

  حيث أن ظاهرة التملق السياسي و الظهور بولاءات كاذبة و زائفة يؤدي إلي انعدام تكافؤ الفرص و تقتل روح المبادرة الجادة لدي الأفراد وتدمر النسق الإجتماعي و تفككه الي أشلال و تساهم في انتشار الجهل وسيادة الأحقاد والضغائن في ظل انهيار القيم و انحطاط الكرامة الإنسانية.

كما أن النفاق و التملق في أقصي تجلياته يولد جيلا فاسدا مخادعا لا يدرك وظيفته التفاعلية داخل  وسطه الإجتماعي و يكرس لإنهيار العدل ويرسخ ثقافة الفساد .

في إطار المعالجة ينبغي وضع ضوابط تؤسس لقطيعة تامة مع هكذا ممارسات و تساعد علي الإرتقاء بالنفس والنأي بها عن ما من شأنه ان يأتي لها بالذل و الهوان .

بالإضافة الي تفعيل دور النخب الوطنية لما يترتب علي ذلك من ضرورة لخدمة الوطن و الترفع عن   أكل المال العام و نشر ثقافة التسامح و التآخي و التعايش السلمي و إشاعة مكارم الأخلاق ضمانا لأمن وإستقرار البلاد و العباد .

بالمقابل تشهد الأسواق الموريتانية قبيل رمضان عادة علي غرار ما يحصل في دول العالم الإسلامي حراكا شعبيا كبيرا و إقبالا واسعا علي شراء المواد الأساسية الضرورية لمائدة الإفطار و هذا يشكل في حد ذاته تحديا للمواطن الفقير الذي يعاني في الأصل من عدم القدرة علي تحمل تكاليف هذه المواد في ظل ارتفاع الأسعار و استمرار المضاربة و الإحتكار داخل الأسواق و غياب الرقابة و الضوابط و انعدام الوازع الديني و الوطني و الأخلاقي لدي بعض التجار و خاصة في مواسم رمضان.

فلا صوت يعلو هذه الأيام فوق صوت أسعار البطاطس و البصل و الحليب و و و…   حيث و صلت لأسعار خيالية منذ فترة طويلة دون تراجع يذكر .

و هي بالمناسبة مواد استهلاكية من بين أخري يتقاطع فيها كل الموريتانيين  الفقير عديم الدخل و الغني المتخم بالمال.

في الوقت الذي أصبح فيه شراء و إستبدال الأواني المنزلية و أساسيات المطبخ و آليات الطبخ جزءا من العادات و التقاليد التي ترافق الشهر الكريم كل عام .

حيث أن الموضة هي الأخري دخلت علي خط الأواني و المستلزمات المنزلية الخاصة برمضان .

و أصبحت ربات البيوت يسعين وراءها .

بحكم خصوصية الشهر و ضرورة تنوع أطباق الطعام و الولائم و الحلويات و العصائر و الشربات….الخ

لكن الغريب في الأمر أن هذه المواني و المقتنيات رغم تنوعها و تكاليفها الباهظة تختفي تماما بإنتهاء الشهر الكريم في انتظار رمضان قادم و موضة جديدة و هكذا دواليك .

فمع إقتراب رمضان لايخشي المواطن البسيط إلا جنون الأسعار و جشع التجار و تراجع و تدني الخدمات الأساسية و عودة الإنقطاعات المتكررة للكهرباء أو الماء كما حصل في مواسم رمضانية سابقة .

بينما يري جل المراقبين أن جشع التجار و التلاعب بالأسعار محمي من جهات نافذة لا ينفع معها رقابة و لا متابعة ، و هي نفسها الجهة المسيطرة في كل الأوقات و المناسبات و التي تتحكم في حركة و سكون الأسواق و في ضبط و إرتفاع أسعار السلع و المواد .

تجار عديمي الضمير و الإنسانية ،

أعتادوا التربح علي كاهل المواطن في هكذا ظروف و مناسبات .

في ظل التراخي و التمايز الحاصل في تطبيق القانون و سهولة الإفلات من العقاب .

 اللهم بلغنا رمضان لافاقدين و لا مفقودين و أجعلنا من عتقائك في هذا الشهر الكريم .

 رمضان كريم

اباي ولد اداعة.