
كل رؤسائنا الذين تداولوا على السكن في القصر الرمادي المسمى الرئاسة جاؤوا بقوتهم وإرادتهم لم ينتخبهم أحد ولم يستشر أحد من الشعب حول توليهم مهام رئاسة لإنسان عليه أن يبحث كغيره من شعوب الارض عن حياة السعادة والاستقرار والامن ، فلم يتم اختيار رؤسائنا لبرامج قدموها او لمبادئ اعلنوا تبنيها او ارادوا دعوة الشعب إليها او لصفات ومزايا يتحلون بها على اساسها ارادهم الشعب او البعض منه ،إنهم جميعا بلا برامج وبلا مبادئ، وبكل بساطة جيء بهم من جهة قوة قاهرة لم تستشر ولم تبحث عن وسيلة إقناع سوى القوة ،من البداية جاء الاختيار من الاستعمار عندما كان المجتمع ، وكان الاجتماع حينها شديد التخلف ،ولا يهتم بالحكم ولا بمن يحكم ، فجاؤوابا لمختار ابن داداه وصحبه الذين برغم تسليمهم السلطة من الحاكم الاستعماري ، و ان اكثريتهم بين مترجمين سابقين للاستعمار ، ومن من كان الاستعمار يستعملهم ،لحكم البلاد كعمال المخزن وحاشية المشايخ المستخدمين من الاستعمار ،وممن كانوا منتفعين من قريب او بعيد من المخزن..
رغم صفتهم واصولهم وسابق علاقاتهم بالمستعمر فقد ظهر عدد منهم بمستواه من النضج والفهم أسلوب السلطة ،وظروف وحاجات البلاد ،لقد ،كان نظام ولد داداه ،برغم كل التعقيدات ونقص الخبرة وانعدام تقاليد طويلة للشعب في حكم وطني يجمع شتات القبائل والقرى الريفية من عرب وزنوج ،برغم كل ذلك استطاع نظام ولد داداه ورفاقه السير بنظام شيئا فشيئا يلقى القبول ويدشن انتقالات متتالية من العدم إلى الوجود والثبات ،لقد تميز نظام ولد داداه بنضج طاقمه الذي تضمن رجالا افذاذا كان بعضهم سابقا لزمانه كمحمد بن الشيخ وبياغ بن عابدين الذين لم يستمرا مع النظام لأسباب مختلفة لكن آخرين تميزوا بالنضج استمروا في النظام كأحمد بن محمد صالح محمذ بن باباه واحمد ولد سيدى باب وصال عبد العزيز وبارو عبد الله وعبد الله ولد بي وآخرين متميزين ،كادو يدخلون البلد في مرحلة نمو حقيقية لولا حرب الصحراء التي تسببت بأزمة افضت إلى تسلم العسكريين للنظام وابعاد المدنيين الذين استمروا مبعدين رغم محاولة سيدى محمد بن الشيخ عبد الله التي لم تنجح.
إذا كان نظام ولد داداه الذي كان الافضل والاكثر نضجا من الانظمة التي مرت على البلد غير منتخب فإن الانظمة التي تتابعت بعد نظام المختار كانت كلها انظمة عسكرية تأتي بالانقلاب ،فلا يكون للشعب إلا الخضوع ،وعندما اضطر ولد الطائع لشكل من التعددية وإعطاء المجال للتنافس وإعطاء المواطن حق الاختيار، كان كل ذلك مظهريا فقط ،لقد ظل النظام في كل المراحل يسخر سيطرته على الإدارة والقضاء والامن ليجري ما يسمى انتخابات ظاهرها الحرية وحقيقتها إنجاح ما ترشح الدولة العميقة ، سواء تعلق الامر بالرئاسة او كان للنيابيات والبلديات، في كل المراحل لم ينتخب الشعب ،وإنما سيق بأسلوب قاس في مرحلة الانقلابات وبأسلوب سلس مخادع في مرحلة انتخابات التزوير المتتابعة والمستمرة..
إن الانظمة المتتالية والمتتابعة منذو نظام ١٠ يوليو العسكري برئاسة المصطفى الذي اعقبه احمد بن بسيف الذي لم يستمر طويلا واعقبه ولد احمد لول الذي لم يرغب في السلطة ،فخلفه ولد هيدالة الذي برغم بساطته وتدينه اراد التمسك بالسلطة بقوة وانشأ تنظيما سماه تهذيب الجماهير اراد به مراقبة الشارع والسيطرة عليه وقام بقمع القوة القومية، وحكم على الرئيس السابق ،وطيف واسع من المواطنين .وخاصة بعد محاولة كماندوس احمد سلام بن سيدى ومحمد ولد عبد القادر ورفاقهما،
مع ان محمد خون ولد هيدالة كان يميل إلى الشفافية ونظافة اليد في التسيير ،وكان يحاول مراقبة حياة المواطنين و محاولة خدمهم بمراقبة الاسعار والامن وخدمتهم بالعدالة في توزيع الإسعاف ، وفي عهد ولد هيدالة قبل إلغاء الرق ، لكن كل ذلك لم يتسم بالنضج والعمق ، فتحول إلى سلوكيات سطحية ،وربما كان نظام ولد هيدالة هو أول من اسس مرحلة التملق واستخدام التقرب من النظام واستغلال ذلك التقرب لتحقيق المصالح الشخصية ،وعندما خلف معاوية ولد هيدالة وكان فعلا أكثر منه نضجا واجود منه مستوى التعليم وكان عنده راي ورؤيا في أكثر من مسألة وبذلك يبدو أحسن من سابقه نظريا لكنه في الحقيقة ،عمق نظام الزبونية والوساطة وحول هياكل تهذيب الجماهير الذي كان في عهد ولد هيدالة، حوله إلى الحزب الجمهوري واصبح هذ الحزب ، تنظيما انتهازيا أصوليا قبليا شرائحيا يعيث فسادا في الإدارة والمنشآت والمؤسسات، وتعمقت في عهده تقاليد الفساد في السلوك والعقلية ،وساد في عهد معاوية تقليد تنمية نفوذ الوجهاء الذين يربطون المواطنين في الداخل بالسلطة وصار هؤلاء المتنفذون المعتمدون على السلطة يتولن سوق المواطنين وتتولى الدولة تهياتهم لذلك ، فكان هؤلاء القطط السمان هم أدوات السلطة للتحكم بالشعب ، فصاروا هم القوة الرئيسية في نواكشوط وهم القوة التي تحيط بالرأساء في زياراتهم ونشاطاتهم في الداخل ، وتعمقت هذه التجربة بحيث انتقلت بحذافيرها من الحزب الجمهوري إلى حزب عادل الذي خلف الحزب الجمهوري في زمن سيدى محمد بن الشيخ عبد الله وعندما انقلب ولد عبد العزيز وانشا حزبه الاتحاد من اجل الجمهورية ،انشأه على نفس تقاليد الحزب الجمهوري التي صارت عقلية السلطة ومحيط السلطة ، الذين يربطون المواطنين بالسلطة بمتنفذون تمكنوا من وسائل من امتيازات وفرها لهم القرب من السلطة والنفوذ وهم ادوات السلطة في الداخل ،عندما تتعامل السلطة مع مواطني الداخل فلا يستطيعون لان المواطنين محجوبون بمن جعلتهم السلطة هم ادواتها فهؤلاء هم الذين يسيرون مع المسؤولين، في نواكشوط هم قوة النظام، وفي الولايات ،ومهرجانات المدن القديمة وفي تدشين المشاريع هؤلاء المهيانون في نواكشوط هم الموجودون لتشاطات الداخل فإذا لم يأتوا بقوتهم ووسائلهم ،ويتنافسوا ويتسابقوا فلن يجد الرؤساء من يستقبلهم ،إنهم اهل نواكشوط من رأيناهم في ولات وفي تشيت وفي وادان ، وفي كيهدي ولعيون وروصوا لان ليس هناك من يستطيع فعل شيء سواهم إنهم اهل نواكشوط و في لاتهم ودورهم الكثيرة وسياراتهم الفارهة وحساباتهم البنكية المشحونة ..
لماذا ليس للسلطة مواطنون يمكن ان يستقبلو رؤساؤها ؟ لأننا لا نرئس رؤساء يترشحون ويقدموا برامجهم ويدعمهم من الشعب من يدعمهم وتكون لهم علاقات وشعبية انطلاقا من حالة تفاعل وتناغم بين مرشح ومنتخب ،كل ذلك غير موجود نفتقر لمن يتقدم لنا فرضيناه وانتخبناه لا من جاءت به القوة الغاشمة بالإدارة والامن والقضاء وجيوش المتملقين الذين يدعون الموالاة وليسوا موالين سوى لجيوبهم وجيوبهم فقط اليوم مع من يتربع في مركز القوة وعندما يغيب دعمهم ويقدم للقوة الجديدة ،والشعب في ذلك لا يجد نفسه في العير ولافي النفير ،إنه نظامنا نظام حفنة من المتنفذين يحولون بين السلطة و النظام ويحاولون في جميع احوالهم ان يكونوا هم الشعب ..
قبل ان نجد رؤساء يترشحون من الشعب ويتنافس معهم من شاء دون معيق ، بلا خوف وبلا عائق قبل ذلك سيظل يحكمنا رؤساء مكلفون من العسكر وتحالفاته من البيروقراطية والكومبرادورية ومخلفات نظام الفساد من مرحلة معاوية ومحمد ولد عبد العزيز ، وخلفاؤهم يسيرون على نفس الخطوات وينتهجون نفس النهج ،كلهم يقودون الشعب باهل نواكشوط الممولين من النظام ،وكلهم يستقبلون في الولايات ،بنفس الفئات، فإن لم يستقبل المسؤولون باهل نواكشوط فلن يجدوا من يستقبلهم لان الوسائل فقط عند اهل نواكشوط ،والنظام اعلم بالذي فعل.. إنه يجني ما زرع ..إنهم يجنون مازرعوا!!!




