
إن بلادنا موريتانيا لايمكن لاحد اعتبارها اليوم تعيش حياة عادية وطبيعية وإنما حقيقة امرها أنها بلغت مشاكلها من الغرابة والتناقض حدا غير مسبوق حيث تدل كل الدلائل على أن غالبية القوة النشطة من شعبها اختارت أن تتوجه بإرادتها وقبولها نحو الانتحار الجماعي وإنهاء وجودها واستمرار محنة رحلتها الوجودية رغم ما أنجز الآباء من منجزات وما حقق الشناقيط في كل الاصقاع!!. لقد قبل علماؤها ومثقفوها وساستها في السلطة وخارجها قبلوا كلهم أن لاتسود المساواة الفعلية بين المكونات وهي الضامنة للوحدة والاستقرار وقبلوا استمرار جزء أساسي من الشعب يرفض الأشتراك في الأعمال الكثيرة المفيدة والمدرة للدخل مع باق الشعب وهي ضمانة الوحدة والفعالية ، وقبلوا جميعا ان يظل الجزء المترفع عن الاعمال يتسابق اهله للهجرة نحو المجهول، ونحو أوروبا والقارة الإمريكية ونحو كل شيء إلا الاشتراك في النشاط اليومي في البناء وفي مختلف المهن داخل وطنه .
إن قبول كل الساسة والعلماء والمثقفين وجميع القوة النشطة لبقاء المجتمع مفككا مقسما بين نبلاء يعتقدون تفوقهم ويتمتعون بما يؤكد تميزهم وتفوقهم من حيث العلاقة بالسلطة وملكية الوسائل واستخدام باق الفئات كخدام ومعاونين، وفي نفس الوقت السكوت والتغاضي الذي يشبه الموافقة والقبول على ترفع البعض عن الاعمال اليدوية والمهن المختلفة وتركها للأجانب وللفئات الدونية والمحتقرة في نظر الاغبياء التي يعتبرونها هي التي تصلح للأعمال المختلفة التي يترفعون عنها!!
فقبول الساسة الرؤساء وكبار المسؤولين والعلماء والمثقفين للواقع التراتبي الظالم ،وقبولهم لاستثناء ابناء النبلاء من الاعمال اليدوية والمهن الكثيرة ، وقبولهم بقاء المجتمع مفككا وغير متجانس ولاتتوفر فيه العدالة في القيمة الاجتماعية وفي فرص التنافس الحر العادل والموضوعي ، وإصرار الجميع على استمرار الامتناع عن تغيير الظروف وإنهاء الحالة غير الطبيعية التي يستحيل استمرارها كل ذلك يوضح بل يؤكد سيرالجميع بعيون مغمضة متحهين نحو الهاوية ،والانتحار الجماعي!!!
ذالك أن أغب الناس يدرك أن المجتمع بدأ الوعي ورفض هذ الواقع وإذالم يتمكن من إنهائه سلما فلن يقبل استمرار عدم المساواة ، إن من لايدرك هذه الحقيقة لايدرك شيئا ولا يفقه من امور الحياة مابه يميز الاشكال ، إن تطور الخطابات المتطرفة وتطور عدم الأمن وتزايد مشكلات التوتر بين من يملك الكثير ومن لايملك شيئا كلها إرهاصات كان المفروض وعيها والعمل بمقتضى آملاآتها لوكان ساستنا وعلماؤنا ومثقفونا مهتمون لتطور الأمور ومآلاتها الفعلية !!!
وإذا رأينا بالإضافة لما قدمنا إصرار السلطات الوطنية والطيف السياسي الذي يواكبها على استمرار الفساد وشموله لكل مناح الحياة فساد في العقليات حيث ينمو النفاق واشكال التملق حتى لم يبقى مصدر يدر الدخل ويستجلب به النفع أكثر من النفاق “والزيدنة ” ولم تبقى صفة لمن يعتبرون نفوسهم اهل نظام معين ،وإنما تجاوز النفاق واصبح بعض اهل التوجهات المختلفة يستخدمون اساليب التملق والتماس افضال ومنائح النظام مقابل تعليقات وخطابات وصوتيات ،ويشترك في هذ كل اصحاب الاتجاهات إتهم جميعا يكادون يطيحون بزيدان وبن وجماعتهم . ومصفقوهم..لقد أصبح أصحاب الاتجاهات السياسية يضعون معاوية ،ومحمد بن عبد العزيز ،ومحمد بن الغزواني ،قبل او إلى جانب من يدعون تعلفبهم بهم من قادة التيارات السياسية ،لقد أصبح النفاق سائدا وينمو ويتطور .أما الذين ينتسبون للنظام بتعيينات أو بأىانتماء لحزبه فإن المستوى الذي بلغوا من إظهار التاييد في استقبالاتهم لمسؤولي الحزب وفي مبادراتهم الكاذبة وبذخهم وتاجيرهم للمصفقين تجاوز كل الحدود .إن من يتابع مايجري من عبث يدرك إن العهود كلها تتشابه لدرجة تبعث على الضحك عندما ترى نفس من تظاهرو لمعاوية ولمحمد بن عبد العزيز يتظاهرون اليوم لغزوانى وبنفس الصيغ ونفس اللغة والمبالغات والتحشيد والزحام ،وعند ما تحين الأنخابات سيتفروقون كعادتهم ويكونون عونا لأحزاب هي الآن “تلحس ظهرها” لاتجد أحدا معها ،فهذا ديدنهم وهذا ماهم مستمرون عليه وكل الانظمة تتشابه في قبول هذ الحال واستمرار هذ العبث،
،و إن اختلاس المال العام يزداد ويتوسع وأصبح أكثر طييعية ولم يبقى أحد يهتم لمسؤول يبني القصور بعد شهور من تعيينه ويشترى مايشاء من سيارات وقطعان مواشى ويحشد جيوشا من المصفقين ،والكل ينظر إلى ذلك بصفته “شمر” ” واتفغريش” فالفساد صار هو الطبيعي والنزاهة والامانة والعفة كلها نغائص ومثالب عندأكثر القوة السائدة !!!
إننا نعيش وضعا مأزوما حيث يريد الإخوة الزنوج تحقيقا دقيقا فيما جرى من قمع وتنكيل لمكون إفلان في آخر الثمانينات وأوائل التسعينات وهذ مطلب معقول فحقهم الطبيعي ان يعلم ماجرى لهم ويتم التعامل معه بما يضمن الإنصاف ، ومن حقهم كذلك الشعور بالمشاركة في الشأن العام وذلك من مطالبهم إن مطالب الإخوة تستحق العناية بها ومباشرة تحقيقها لكننا حتى الآن لم نرى من يفهم ولامن يعي حقيقة الامر، وإن فئة العرب السمر ( لحراطين ) يحتاحون ومذ زمن طويل رفع مستواهم الاجتماعي والتمتع با المكانة والمستوى الذي يتمتع به جميع المكون العربي والآفريقي بلا زيادة ولا نقصان و يحتاحون المشاركة في الملكية العقارية للأراضي في الريف وفي الحضر ويتساوون في الفرص التي لأخوتهم وإنهاء الدونية غير الواردة وغير المشروعة ،وإن ترك الصناع التقليديين ،( لمعلمين) والفنانين( إيغاون) وازناغ وانمادي ترك كل هذه الفئات يعيشون دونية ومكانة في مؤخر السلم ،وسكوت الجميع على ذلك كسكوتهم على ترفع المترفعين على الاعمال وسكوتهم على العنصرية والتهميش والإقصاء ،كل ذلك غير ممكن استمراره إذا أردنا السلام الدائم وإذا أردناالتقدم الحقيقي والازدهار..
إن واقع الحال أن دولتنا وشعبنا متوجهان باتفاق القوة النشيطة في مجتمعنا بالسير بخطى حثيثة متسارعة نحو الكارثة المحققة، ماداموا لايريدون تغيير واقع أصبح يستحيل استمراره واصبح عدم تغييره يساوى الانتحار، أدرك ذلك هذ الطيف المغفل او لم يدركه !!
إننا وسط مشاكلنا المعقدة نجد انفسنا في محيط إقليمي لاتنقص فيه المشاكل ففي الشمال لايدرى أحد كيف ستجري الأمور بين الشقيقتين وكيف سيكون وضع الشعب الصحراوي وحركته المسلحة .وفي الجنوب الوضع في أشد درجات التوتر في مالي وبركنا فاسو والنجير ومنطقة بحيرة اتشاد بما في ذلك نيجربا والكامرون واتشاد،وفي المظاهر تبدو السينغال أحسن وضعا من الدول التي تجاورنا لكن ذلك يخفي الجمر تحتى الرماد في الشقيقة السينغال في حقيقة وضعها ، إن المعارضة في السينغال قوية جدا ولديها مطالب رادكالية واضحة عبأت عليها شبابا واعيا ومتحفزا للنضال من أجل مطالبه ،ولايعلم إلا الله ماذا سيكون موقفه إذا قرر ماكى صال الترشح لفترة ثالثة كما يطالب بذلك حزبه وبعض المنتفعين من حكمه ؛ حقيقة الامر أننا في منطقة فوق رمال متحركة وليس في مصلحتنا أن لا نكون مستقرين وهادئين ويقظين لنجنب انفسنا الدخول في المجهول ،لكننا بالحال الذي نحن فيها ومظاهر الغفلة والغباوة السائدة عندنا لايمكننا الأطمئنان وراحة البال و لسنا نعلم كيف سيكون المستقبل؟!
فنحن مع تأزم وضعنا والمخاطرالتي تحيط بنا لاينقصنا وجود أهل الرأي وكبارالعلماء الافذاذ المبرزين ،والمثقفين ذو المستويات العالية في مختلف العلوم وفي مختلف الاختصاصات ، ولاينقصنا الادباء وفحول الشعراء في الفصيح والعمي ، لكن كل هؤلاء مهتمين بكل شيء ،إلا المخاطر التي نعيش نتيجة عقليتنا المنحرفة وسلوكنا اللا معقول فعلماؤنا مهتمين بمشاكل العالم كلها لكنهم لايبذلون أقل جهد لوقف التدهور المستمرفي بنى مجتمعنا واستمرار الإقصاء والتهميش لفئات واسعة،وظهور التوتر والتحفز من قبل الضحايا ونذر تصادم الإرادات بين مترفعين مستمرين يمارسون اساليب المتفوق يحكمون ويتحكمون في الأنفس والوسائل،
ومهمشين مقصيين من حقهم في المشاركة في كل مناح الحياة ، يحاولون الوقوف ضد الظلم والغبن ونرى سلطة مترددة خائرة القوى تحاول استمرار الأمور دون تغيير بأحاديث وتصريحات دون عمل جدي يدعمهما، واستخدام الاقراص المهدئة،بتعيينات هنا ومنح هناك ومعالجة الامور بتردد وخوف ،والامور تزداد في كل يوم تعقيدا والمطالب تزداد في كل يوم وضوحا والاحتقان يقترب شيئا فشيئا من الذروة وعلماؤنا مشتركين في كل شيء إلا مشكلات هذ الوطن ،ومثقفونا يبحثون عن أي مقعد في حافلة كل النظم ليؤمنوا نفوسهم وأسرهم وما يجري في الوطن لا يؤرقهم ولايقض من مضاجعهم ،وهكذا ترى الجميع سكارى وماهم بسكارى يسيرون نحو الهاوية مطمئنين راضين!!!
التراد بن سيدي




