الريادة

الدولة لا شيء …

الدول تبنى على الكفر و لا تبنى على الظلم، و لا حياة لمن لا حرية له، بالعدل و الانصاف و احترام القانون تصنع هيبة الدولة لا بالمحاباة و العمل على تحصيل مكاسب آنية نفعية لا قيمة لها و لا يبقى من ذكرها سوى أنها كانت جزءا لا يتجزأ من عملية تحطيم هيبة الدولة و توسيع الهوة بينها ككيان معنوي و بين الشخص الطبيعي الذي هو الموطن، الغاية و الوسيلة.
فهو الغاية من تنظيم الحياة العامة من خلال الشخص المعنوي المسمى الدولة، و هو الوسيلة لتحقيق مبتغاه في العيش الكريم و حقه في السكينة والطمأنينة و الحرية و الكرامة و العدل و الإنصاف.
لذا فإن أي عمل يقام به بإسم الدولة يجب أن ينصب نحو هذه الأسس و المبادئ المذكورة آنفا حفاظا على السلم و على الاستقرار و حفاظا كذلك على العقد الإجتماعي الذي يربط بين أفراد المجتمع الواحد و الذي من خلاله تجسد وجود الدولة نفسها.
إن الدولة لا شيء و لا توجد ناطقة مستنطقة حاكمة متحكمة ماثلة مشهودة محسوسة، بل الموجود الأسمى و الأعظم هو الشعب فإن لم تتجسد إرادته في أفعال أفراده الذين ينتدبون لتحمل عبء العمل تحت يافطة هذا “اللاشيء” فلا قيمة لما يقومون به و لا أهمية لما يتسمون به من صفات و لا عبرة بوجودهم و لا أهمية لما يصدر عنهم من قرارات و أفعال مهما كان نبل مقاصدهم و سلامتها.
الشعب هو كل شيء والتعبير الأسمى عن إرادة الشعب هو الدستور و ما انبثق عنه من قوانين و نظم و ضوابط و يستمد شرعيته من تلك الإرادة، فلا يعبر الدستور عن غير إرادة الشعب، فلا قيمة للحوزة الترابية ما لم يكن هناك شعب فالذي يحيي الأرض و يعطيها قيمتها الوجودية هوالشعب.
و السلط كلها لا قيمة لها ما لم تجسد إرادة الشعب و تعبر عنها طبقا للدستور و القانون، و إن أفظع و أشنع الأعمال هي تلك التي خرجت عن روح القانون و شرعت خرقه و عدم الامتثال بما نص عليه مهما كان مصدرها و مهما وصل من سمو و رمزية.
فالسلطة التنفيذية (الرئيس و أعوانه المباشرين و غير المباشرين) ليست لها أي قيمة ما لم تكن محترمة للقانون غير مجتهدة خارج إطاره، ساعية في كل لحظة و كل دقيقة و كل ساعة و كل يوم و كل شهر و كل سنة إلى أن ترجع إلى القانون و تمتثل له و تقترح تعديله أو تغييره أو إلغاءه لتحقق أهداف الشعب و تضمن مصالحه.
و السلطة التشريعية لا قيمة لها ما لم تكن حاضرة مراقبة صادقة أمينة مع الشعب ممثلة له كامل التمثيل مؤمنة بأنه هو الغاية و الوسيلة أمينة على ما ائتمنها عليه معبرة عن إرادته و ضامنة لحقوقه و رافضة لكل نص قانوني لا يتماشى مع ثوابته و ثقافته و حقوقه و طموحاته و تطلعاته.
و السلطة القضائية لا قيمة لها، ما لم يتحفظ ممثلوها و يضمنوا العدل بين الناس و القيام بالقسط و أن لا يهابوا و أن لا تخضعوا لأي سلطة أخرى، لا طمعا فيما عندها من مال الشعب و امتيازاته و لاخوفا من بطش أجهزة تلك السلط الأخرى و تعنيفها من خلال مخالفة القانون.
إن السلطة القضائية لا شيء ما لم تضمن العدل و الانصاف و تحمي الحقوق و تردع المخالفين للقانون و الكعتدين على الأموال و الأنفس من خلال القوانين و النصوص الناظمة التي شرعها الشعب بشكل مباشر أو غير مباشر. و هي أيضا ملزمة بضمان نفاذ كافة المتقاضين إلى حقوقهم، أكانوا في موقع إدعاء أو موقع دفاع. و يعاب على السلطة القضائية الشطط و تعاب عليها المحاباة و السعي إلى تسخير ما تحت يدها من نفوذ لصالح الأقوياء ضد الضعفاء و يعاب عليها أيضا أن تحابي باقي السلط أو تستمع إليهم فيما يخص شأنها، و هي السلطة التي ضمنت كافة النصوص و النظم استقلاليتها و يقف الشعب في وجه المساس منها أو النيل من استقلاليتها عن السلط الأخرى.
إن السلطة القضائية أهم من كل تلك السلط الأخرى، فهي التي تحتكم إليها السلطة التنفيذية وهي المخولة البت في قانونية قراراتها الإدارية التي تتخذها سبيلا إلى القيام بواجبها كسلطة تنفيذية، لذا فإن أخلت تلك السلطة التنفيذية بواجباتها أو تجاوزت حدود صلاحياتها أو خالفت قوانين أو نظم أو منعت حقا ثابتا لمواطن فإن السلطة القضائية بأعلى هيئاتها و و أقدسها توقف تنفيذ تلك القرارات و تمنع منعا باتا تنفيذها في إذا ما تأكدت من تجاوزها للقانون و لمهام السلطة التنفيذية، و يبقى فقط واجب المتضرر اللجوء إليها لكي تقوم بذلك.
إن السلطة القضائية غير متروكة على هواها و إن كانت تامة الاستقلال، فنصوصها الناظمة و ضوابط عملها في كافة مراحل التقاضي تعطي فرصا عدلية عادلة منصفة للاطراف لضمان حقوقهم و عدم المساس بها من خلال درجات التقاضي التي تسمح بغربلة القضايا و تضمن لكل طرف أن يطعن في كافة الأحكام التي تصدر عن الأجهزة القضائية الابتدائية والاستئنافية مما يسمح بضمان العدل و الإنصاف.
فلا سبيل لتجاوز أجهزة السلطة القضائية و لا سبيل إلى استخدامها شططا سلطتها المخولة لها من الشعب مصدر كل السلطات بحسب الميثاق الأسمى و الأعلى الدستور.
و لينتبه كل لنفسه حيثما كان فالشعب كل شيء و من دونه الدولة لا شيء تماما كما قال القائد.
ذ/ محمد فاضل الهادي

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لتحسين خدمتنا. لمزيد من المعلومات طالع "سياسة الخصوصية" أوافق التفاصيل

سياسة الخصوصية