الجمعة, 4 ديسمبر, 2020
الريادة

المجتمع والحكومات والفساد جفِّفوا المستنقع!

محمد فال ولد بلال رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات

نتحدث كلنا عن فساد الحكومات ونحملها مسؤولية فساد الدولة بالمطلق.. وهذا أمر واضح ومفهوم لأن الحكومات هي التي تتصدر الواجهة دائماً وفاشلة غالبا.. والكلام عن فسادها صحيح، ولكنه لا يكفي للإحاطة بموضوع فساد الدولة، لأنه يلامس البناء العلوي أو الجزء الظاهر فقط من المعضلة، ويغفل البناء التحتي أو الجزء الغاطس منها، وهو المجتمع.. فالحكومات، أي حكومات، ما كان لها أن تفسد إلاّ لأن المجتمع الذي أنشأها تركها لتفسد، أو لأنه هو نفسه مجتمع فاسد.. هذا الكلام قد يبدو منافيا لمقولة أن “السمكة تفسد من رأسها” وأن الفساد مرتبط بالرأس ويأتي من الرأس، وأنه لا مخرج منه إلاّ إذا صلح الرأس، أي رأس الدولة ومن يديرها.. وهذه مقولة صحيحة ولكنها غير كافية أيضا واختزالية جدا. في الواقع وكما يقول الأستاذ والكاتب د.إبراهيم عرفات “الدولة لا تخطئ إلا لأنها تجد مجتمعاً يسمح لها بالخطأ، ولا تصيب إلا عندما يعي المجتمع وينهض ليفرض عليها الصواب.. وهذا ما يلخصه الحديث “كيفما تكونوا يُولى عليكم”. إن المجتمع شريك الحكومة في صناعة الفساد أو إنجاز الإصلاح، بل إن دوره يسبق دورها باعتباره المنشئ والمؤسس والحاضن له”.

‎نعم ستبقى الحكومة تتحمل نصيبها الهائل من اللوم. لكنه لوم على سوء الإدارة. أما المجتمع فيتحمل اللوم على أنه هو من يحتضن الإدارة الفاسدة ويسمح لها بالتراخي والترهل ويتركها تنهب ماله وخيراته.. وهذا ما أشار اليه الكاتب والفيلسوف الفرنسي المعروف “دو توكوفيل” بمقولته الشهيرة: “كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها”. نحن شعب يمجد الفساد والمفسدين. نحب التبذير والمبذرين. نتعامل مع المفسدين على أنهم هم الأبطال والأذكياء والعقلاء والقادة والمثال الحسن.. المال العام في بلادنا يعطي “الشعبية” التي تعطي “الترقية”.. والترقية تعطي نصيبا أوفر من المال العام الذي بدوره يعطي “شعبية” أوسع، وهلم جرا!

‎أعتقد أن محاربة الفساد تحتاج إلى أن تكون قضية المجتمع بأسره. لا تتم إلاّ بنهضة شاملة تتضافر فيها جهود الأحزاب والحكومة والاعلاميين والمدونين وجمعيات المجتمع المدني .. وينزل الجميع إلى البيوت والشوارع في المدن والأرياف والأسواق وداخل المدارس والإدارات لتغيير العقليات وتوعية النخب والعامة وغرس ثقافة الإصلاح والمساءلة والمحاسبة، وخلق بيئة رافضة وطاردة للفساد والمفسدين.. وإلاّ فإن متابعة مفسد هنا أو إثنين أو ثلاثة أو عشرات أو مئات المفسدين – رغم أهميتها وحاجة البلاد والمجتمع إليها – قد لا تكفي، لأن السمكة في مياهنا هنا لا تفسد من رأسها فقط، بل تفسد من جذعها وذيلها وفتحة أنفها أيضا.. يُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”.. ولكن الفقر نظام اقتصادي يعيد إنتاج الفقر.. والفساد مثل الفقر نظام مجتمعي يعيد إنتاج الفساد! ونحن في منطقة آفطوط نقول إن قتل البعوض واحدة واحدة أو قتله بالعشرات والمئات لا يجدي نفعا ضد لدغاته ما لم يجفّف المستنقع..

جفِّفوا المستنقع!

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لتحسين خدمتنا. لمزيد من المعلومات طالع "سياسة الخصوصية" أوافق التفاصيل

سياسة الخصوصية