الأحد, 12 يوليو, 2020
الريادة

اللغة والفكر؛ علاقة الانفصال والاتصال .. !! مقال جدلي للأستاذ زين العابدين محمد العباس

 
إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يستحيل عليه العيش بمعزل عن الغير لأن ضرورات الحياة تفرض عليه التعاون والتواصل مع الغير كما أنه في تفكير دائم في محيطه الخارجي وما يحتويه من ظواهر بغية فهمه وتحقيق التكيف معه ولا يتأتى له تحقيق هذا التواصل وتبليغ هذه الأفكار إلا بواسطة اللغة التي تعتبر خاصية إنسانية وهي مجموعة من الإشارات والرموز التي تستعمل للتواصل يعرفها لالاند بقوله “اللغة هي كل جملة من الإشارات و الرموز التي يمكن أن تكون وسيلة للتواصل”

إلا أن ما أثار جدال وتضارب آراء المفكرين والفلاسفة هو العلاقة بين اللغة والفكر حيث انقسموا إلى تيارين متعارضين تيار يرى أن العلاقة بين اللغة والفكر انفصالية أي أن اللغة عاجزة عن استيعاب كل أفكار الإنسان وتيار يرى أن العلاقة بين اللغة والفكر اتصالية أي أنه يستحيل أن نفكر بدون لغة، وهو أمر يطرح إشكالات كبيرة من قبيل؛ هل العلاقة بين اللغة والفكر انفصال أم اتصال؟ هل تستطيع اللغة أن تعبر عن كل أفكارنا؟ هل يوجد فكر خارج حدود اللغة؟
ولنقاش هذه الآراء والتيارات المختلفة نستعرض كل تيار على حدة ونتبين طرحه وحججه، ثم نعود بالنقد والتعليق – تباعا – على كل آراء التيارين – تواليا – الانفصالي والاتصالي محاولين في نهاية المطاف صياغة رؤية توفيقية لهذه الإشكالية [الانفصال – الاتصال] بعد سبر أغوار العلاقة بين الإثنين؛ (اللغة والفكر).
يرى التيار الأول أن “العلاقة بين اللغة والفكر انفصالية” حيث إن الفكر واللغة ملكتين منفصلتين فالإنسان يعي أن الفكر سابق على اللغة وأوسع منها وأنه لا يوجد تطابق و تناسب بين عالمي الأفكار والألفاظ فالفكر يتميز بخاصية الاتصال فالإنسان لا يمكنه التوقف عن التفكير لأنه يتميز بالديمومة والاستمرارية بينما اللغة تميزها صفة الانفصال التي تجعلنا نستطيع التوقف عن استعمال اللغة ويمثل هذا الموقف كل من “برغسون، ديكارت، كارل ياسبيرس، وفاليري” و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج والبراهين الآتية:
– إن الفكر جوهر لا مادي و مبدأ كل وجود و يمثل العالم الداخلي والذاتي للفرد بمعنى أنه يجري داخل ذاتية الفرد بينما اللغة ظاهرة اجتماعية بمعنى لا لغة إلا في المجتمع فاللغة مكتسبة يكتسبها الفرد بالتقليد والتعلم ولا يتيسر اكتسابها إلا في وسط اجتماعي لأن المجتمع هو الذي يفرض اللغة على الإنسان لأن من ضروريات الاجتماع إمكانية التواصل والتفاهم وهذا التفاهم والتواصل يتم وفق لغة المجتمع يقول برغسون في هذا الشأن “الفكر ذاتي وفردي واللغة موضوعية واجتماعية”.
– إن التجربة والملاحظة تبين أن التفكير سابق عن اللغة فكثيرا ما تنبثق الفكرة في أذهاننا ونبقى نبحث عن العبارة التي تؤديها وتبلغها لغيرنا وبالتالي فالفكرة تكون في لحظة ما موجودة في الذهن بدون لغة تجسدها ومن هنا يظهر بوضوح أن الفكرة سابقة في الوجود عن اللغة فالإنسان كثيراً ما يدرك كماً زاخراً من المعاني والأفكار تتزاحم في ذهنه، وفي المقابل لا يجد إلا ألفاظاً محدودة لا تكفي لبيان هذه المعاني والأفكار.
– كما قد يفهم أمراً من الأمور ويكوّن عنه صورة واضحة بذهنه وهو لم يتكلم بعد، فإذا شرع في التعبير عما حصل في فكره من أفكار عجز عن ذلك. كما قد يحصل أننا نتوقف – لحظات – أثناء الحديث أو الكتابة بحثا عن كلمات مناسبة لمعنى معين، أو نقوم بتشطيب أو تمزيق ما نكتبه ثم نعيد صياغته من جديد … وفي هذا المعنى يقول برغسون “إننا نملك أفكاراً أكثر مما نملك أصواتاً” ويقول كذلك “اللغة عاجزة عن مسايرة ديمومة الفكر”، فالإنسان بإمكانه التفكير بدون لغة فسلوك بعض الصم البكم ينم عن تفكير سيلم حيث نجد بعضهم يهتمون بشؤون السياسة ويدلون بآرائهم فيها بواسطة إشارات يتواضعون – يتفقون عليها – مع من يناقشهم وهو ما يتبين معه أن الإنسان بإمكانه أن يستعمل إشارات أخرى غير اللغة للتعبير عن أفكاره يقول ديكارت: “إن الكلام يحول دون تقدمي وألفاظ اللغة الجارية تكاد تخدعني” ويقول برغسون: “اللغة تحجر الفكر” فاللغة تقيد الفكر وتثبطه وتجمد الفكر في قوالب وأنماط واحدة وذلك بسبب طبيعتها المحدودة والثابتة يقول في هذا كارل ياسبيرس: “اللغة تجبر الفرد أن يسلك طريق واحداً وبهذا يصبح أفراد المجتمع الواحد كأنهم يفكرون نفس التفكير”.
– كما تثبت التجربة النفسية عجز اللغة عن تبليغ أفكارنا فالجانب الوجداني للإنسان نجد اللغة عاجزة عن نقله والافصاح عنه فالفكرة ترتبط بالشعور وهي تحمل كل مضامينه ومعانيه العميقة من انفعالات وعواطف كالحزن والسعادة والحب وعندما يريد المرء التعبير عنها وإبلاغها للآخرين يخرجها بشكل عبارات لغوية رمزية خالية من الشعور والحياة وكمثال على ذلك أن الأم عندما تسمع بخبر نجاح ابنها تلجأ إلى الدموع للتعبير عن حالتها الفكرية والشعورية يقول لامارتين: “إن كلماتي من ثلج فكيف تحتوي في داخلها النيران” وهذا يدل على أن اللغة عاجزة عن تبليغ أفكارنا ومن هنا لجأ الإنسان إلى وسائل أخرى كالشعر والفن والموسيقى وغيرها من أشكال الفن من أجل التعبير عن مشاعره وأحاسيسه يقول فاليري”إن أجمل الأشعار هي تلك التي لم تكتب” وقيل كذلك “الألفاظ قبور المعاني”. ومنه نستنتج أن العلاقة بين اللغة والفكر انفصالية.
ورغم أن اللغة تعجز أحيانا في التعبير عن أفكارنا وأن الفكر سابق وأوسع منها إلا أن هذا الاتجاه الثنائي بالغ كثيراً في التقليل من قيمة اللغة في مقابل رفعه من شأن الفكر فحتى وإن افترضنا أسبقية الفكر عن اللغة فلا تكون له قيمة ولا يصير معروفاً إلا إذا اندرج في قوالب لغوية كما أن الدراسات النفسية المعاصرة أثبتت أن تكوين المعاني والأفكار عند الأطفال يتم في اللحظة نفسها مع تعلم اللغة واكتسابها وهو ما يدل على أنه يتعلم التفكير عن طريق اللغة فهو يفكر باللغة ومنه فحضور الفكر يستلزم عنه حضور اللغة وهو ما يجعلهما وجهتين مختلفتين لعملة واحدة.
في حين يرى التيار الثاني أن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة اتصال وتطابق، فاللغة والفكر يشكلان فاعلية ذهنية لا يمكن تجزئتهما ولا يمكن القول بأسبقية أحدهما على الآخر فاللغة باعتبارها خاصية أساسية للإنسان من حيث هو كائن اجتماعي فهي كذلك ضرورية من حيث هو كائن مفكر ومن ثمة فإن اللغة مرتبطة بالتفكير ارتباطاً لا انقطاع فيه ويمثل هذا الموقف كل من “هيجل، كوندياك، دي سوسير، وبنفست” ويبررون موقفهم هذا بالحجج والبراهين التالية:
– إن قدرة الإنسان على التفكير تتناسب مع قدرته على التعبير، فعالم الأفكار يتطابق مع عالم الأفكار ولا وجود لأفكار خارج إطار اللغة، فبين اللغة والفكر اتصال ووحدة عضوية وهما بمثابة وجهي العملة النقدية غير القابلة للتجزئة، باعتبار أن الفكر لغة صامتة واللغة فكر ناطق فلا تفكير بدون لغة ولا لغة بدون تفكير يقول دي سوسير: “إن هذا الصمت المزعوم هو في الحقيقة ضجيج من الكلمات” ويقول واطسن: “إننا نتكلم بفكرنا و نفكر بلغتنا” فكل محاولة تفكير دون لغة هي محاولة فاشلة ومهما كانت الأفكار التي تجيئ إلى فكر الإنسان، فإنها لا تستطيع أن تنشأَ وتوجد إلا على مادة اللغة يقول هيجل: “إن محاولة التفكير بدون كلمات لمحاولة عديمة الجدوى”.
– إن الفكر لا يتحقق ولا يتجسد إلا بفضل اللغة فاللغة هي الوعاء الذي تصب فيه الأفكار فالفكر هو الكلام ذاته وطريقة تركيبه فنحن لا نتعرف على الفكرة وصحتها إلا لكونها قابلة أن يتصورها الآخرون فتتمايز الأفكار عند التعبير عنها يقول كوندياك: “إن فن التفكير هو فن إتقان الكلام” فاللغة هي التي تبرز الفكر من حيز الكتمان إلى حيز التصريح، ولولاها لبقي كامناً عدماً، لذلك قيل: “الكلمة لباس المعنى ولولاها لبقي مجهولا”، و يقول هيجل: “الكلمة تمنح للفكرة وجودها الحقيقي والأسمى” إن اللغة تثري الفكر وتنميه فكلما زادت الثروة اللغوية للإنسان ازدادت قدرته على التفكير وازداد ذكاؤه نمواً وعليه فالفكرة التي لا يستطيع الإنسان التعبير عنها ليس سببها عجز اللغة ومحدوديتها بل أن هذه الفكرة لازالت غامضة ولم تتكون بعد بحيث أن صاحبها لا يعيها بوضوح ولا يملك الزاد اللغوي الكافي للتعبير والافصاح عنها فلا يوجد تصور في الذهن بدون لفظ يكونه، يقول بنفست: “إن الذهن لا يحتوي على أشكال خاوية”، فقد أثبت علم النفس أن الطفل يولد صفحة بيضاء خالياً تماماً من أي أفكار، ويبدأ في اكتسابها بالموازاة مع تعلمه اللغة، أي أنه يتعلم التفكير في نفس الوقت الذي يتعلم فيه اللغة. وعندما يصل الفرد إلى مرحلة النضج العقلي فإنه يفكر باللغة التي يتقنها، فالأفكار لا ترد إلى الذهن مجردة، بل مغلفة باللغة التي نعرفها فالطفل يبقى يجهل العالم الذي يحيط به إلى أن يبدأ بتعلم الألفاظ والجمل ومسميات الأشياء فتتكون لديه الأفكار فنموه الفكري مرتبط بنموه اللغوي يقول ألان: “إن تفكير الطفل وتكوين المعاني ونمو المعارف لديه مقترن بنمو عملية اكتساب اللغة حيث يكتشف المعاني في اللغة”. 
– كما أن اللغة تسبغ على الفكر حلة اجتماعية وتكسبه صفة المعقول لأن اللغة آلة التفاهم بين الناس فهي التي تحرر الفكر من الطابع الذاتي للفرد ليصير خبرة إنسانية قابلة للتحليل والفهم والتداول بين الناس لذلك يقول هاملتون: “الألفاظ حصون المعاني”، و ما يؤكد كذلك على الترابط الوثيق بين اللغة والفكر هو ما تقدمه اللغة من فضل للفكر الإنساني إذ أنها تنظم الفكر وتحفظه فهي لا تقوم بوظيفة التدليل فقط بل بالتنظيم كذلك وبفضلها يصبح التفاهم مع الغير ممكناً.
– كما أن اللغة أداة تواصل الأفكار من جيل إلى آخر فهي أقوى عوامل الوحدة بين الأجيال وأحسن وعاء لحفظ التراث الإنساني وتوارثه بين الأجيال يقول ماكس مولر: “وما كان للإنسان أن يقدس اللغة حباً بها أو تعشقاً إلى أنغامها … وإنما لأنها سجل تفكيره، فهي تحفظه له وتنقله إلى إخوانه في الإنسانية وإلى من يتلوه من الأحياء”. وعليه فالعلاقة بين اللغة والفكر علاقة اتصال وتطابق.
وعلى كل حال ورغم الدور الذي تلعبه اللغة في تجسيد الفكر وحفظه إلا أن هذا التيار الأحادي بالغ كثيراً في تمجيده للغة فالواقع يثبت أن اللغة عاجزة عن استيعاب كل أفكارنا وأن الإنسان يستغرق وقتاً طويلاً لكي يجد اللفظ المناسب لما يفكر فيه خاصة حينما يتعلق الأمر بالجانب الوجداني لذلك يقول شوبنهاور: “إن الكلمات تعجز عن وصف شعوري” كما أنه لو كانت اللغة والفكر شيئاً واحداً لاكتفينا بأحدهما دون الآخر ولكانت أفكارنا واحدة كما أن هذا الطرح يوقعنا في تناقض فإما أن تكون أفكارنا ثابتة تبعاً لثبات اللغة وإما أن تكون اللغة متغيرة تبعا لتغير الأفكار.
على ضوء ما سبق نقول إن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة تأثير متبادل فرغم أن اللغة قد تقصر أحياناً عن التعبير عن الأفكار بناء على أن قدرتنا على الفهم لا تناسب دائما قدرتنا على التبليغ، إلا أنه لابد من التسليم بوجود علاقة ترابط بين الفكر واللغة، وهذا ما تؤكده الدراسات والأبحاث العلمية اللسانية، وهذه العلاقة تشبه العلاقة بين وجه الورقة النقدية وظهرها، حيث أن الفكر هو وجه الصفحة، بينما الصوت هو ظهر الصفحة، ولا يمكن قطع الوجه دون أن يتم في الوقت نفسه قطع الظهر، و بالتالي فكلاهما يكمل الآخر يقول ماكس مولر: “اللغة والفكر كقطعة نقدية واحدة وجهها الأول الفكر ووجهها الثاني اللغة وإذا فسد أي وجه من الوجهين فسدت القطعة فالفكر بالنسبة للغة كالروح بالنسبة للجسد”. 
وكمحاولة لحل هذا الإشكال نستنتج أن اللغة والفكر متلازمان فرغم الاختلاف الموجود بينهما من حيث الدور والطبيعة إلا أنهما يشكلان كياناً واحداً ولهما غاية مشتركة وهي تحقيق التواصل والتفاهم الإنساني والاجتماعي كلاهما يحدد ماهية الإنسان باعتباره الكائن المفكر الوحيد كما أنه الوحيد الذي يمتلك لغة واعية تعبر عن أفكاره و عليه فكلاهما يتضمن الآخر ويشترطه ولا وجود لأحدهما دون الآخر، فاللغة تعبر عن الفكر والفكر يصنع اللغة وهذا ما تلخصه مقولة دولاكروا: [الفكـر يصنـع اللغـة وهـي تصنعـه].