الجمعة, 29 مايو, 2020
الريادة

أنا.. وصديقي، واللغة الرسمية والوطنية/ بقلم عبيد اميجن

اتصل البارحــة عليّ أحد الأصدقاء ممن تجمعني به وشائج وعلائق تمتــد لعقود من الصحبـة والمحبة المتجاوزة لحدود الجغرافيا والعرق. وكان قـد بلغته اكاذيب المزايدين ممن يدعـون بأنني أعادي اللغـة العربيــة وأطالب بأن تتبوأ اللغة الفرنسية محلها!؟ والواقـعُ أنني اعرف ان جوا مشحونا بالمعارك المؤدلجــة لن يُساعد على مناقشـة موضوعية لمحل الاعتراض! على المستوى الشخصي أعرف ان الاعتراضات تلك تتضمن تخفي ضمن خباياها مسألة الديمغرافيا ومعضلـة الريادة القومية واللسانية، واحيانا ترحيل الانتماءات القسريـة لهذا المجال متعدد الروافد والأعراق للأجيال القادمـة.
يعرفُ صديقي تميزنا كلينا على مقاعد الدراسـة؛ قبل ان يغادر هـو الى انواذيب وكيف كنا ثنائيا متفوقا على بقية أقراننا في مادة تحسين الخط، ودراسة النص والإملاء والنحـو بل وفــي المسابقات التي كان مدرسونا يتعمدون توجيهها الى مناحي عروبية بحتة (كتابة رسالة الى الزعيم المُفدى بلغـة سليمة جزلة، أو ذكـر معاناة الشيخ الكبير = شكبير في بلاد الفرنجة، و أحيـانا يطلب منا تخصيص الانشاء لتخيل زوايا الاقصى السليب.. وغيرها من الشعارات القومية الكبيرة)، لقــد كنت و إياه مزروعين في حقل لم نشأه لأنفسنا، وما ان نعود الى حاراتنا في الْكبَه لكْبيرة أو كَبتْ أمْكيزيرة حتى تستقبلنا اوجاع وطننا وتوسلات جيراننا وخبريات بقايا مخبري الهياكل تهذيب الجماهير، وفــي الغد باكرا نعود الى مزرعتنا تلك التي نُساق فيـها إلى قضايا كبيرة لا يمكن لصقها بمحيطنا أحرى ان تكون عقولنا الصغيرة جزءا من تأثيث مشاهـدها السياسية !.
ذكرتُه بفشل أولئك المعلمين ـ “المَتْلَيْكْسِيينْ” مقارنـة مع مُدرسينا السابقين ـ في جعلنا ننقادُ خلف طرحهم الميال الى تقليد أدوار الأبطال في المسلسلات التاريخيـة، أما صديقي فقـد كان للبرهـة يستحضر بدوره الجهود الدؤوبـة لتلك التيارات والهادفـة الى التأثيـر على أدمغتنا الصغيـرة وتوجيـه مُيولاتها المشتتة وخاصـة حين يطلب منا تحضير (بحوثنا) لدى بعض المراكز الثقافية الاجنبية المحددة (الليبية، العراقية أو المصرية أو السوريـة، وقبلنا كان المركز السوفيتي)، ولأول مرة استطاع ان يستعيد اليوم الذي طرد فيـه لأنه اختـلق اسماُ لفيلسوف وهمي يشيد بالعـرق الفارسي فحينها لم يستطع العودة الى مقاعد الدرس قبل ان يصطحب معه وكيلته سليطة اللسان!.
كنا متفقان على فشل نشطاء هـذه الموجـة في مهامهم السياسية تلك، لكننا كنا مدركان لحبنا للغة العربيـة وتفاخـرنا على غيرنا بتعلم قواعـدها الصارمـة والتعبيـر وفـقَ أساليبها الشيقة والجميلة، دون ان يمنعنا ذلك من التعرف على المعارف الانسانيـة والفلسفية والانسانية والتي قرأناها باللسان والحـرف العربي وفهمناها في سياقاتها الانسانية، فمن خلال تلك الحقبة استطاعت اللغة العربيـة أن تصبح رفيقـة لنا في الدراسـة والاحتراف وفي الانتاج الفكري والنضال والتفكيـر والمقالمات والمكاتبات، لكنها مع ذلك لم تجعلنا رهينة لها أو مقيدين قوميا او اسلامويا بتوجهات مؤدلجيها.
كنتُ أنا وصديقي في مرحلـة مبكرة من حياتنا نرفض بإصرار حضور ما سواها من الحصص لكننا لم نقبل ان نذوب في الخصام الدائر بشأن حدود المساحات اللغوية التي يتجادل حولها أترابنا، مؤمنين باختلاف الروافـد وتعـدد الألسن واللهجات بين بقية المكونات الوطنية. ورغـم مواقف النواكشوطيين المتباينة بشأن مكانــة اللغـة الفرنسيـة داخل الإدارة والتعليــم والخطاب فقــد تميزت مطارحاتنا المتكررة مع الطلبة والتلاميـذ بالمواقف المتخشبـة، واحيانا كثيرة العداوة المبالغ فيها!؟ وكنت في نهاية كل مطارحـة اتساءل في قرارة نفسـي عن صوابية بعض الآراء حيال الفرنسيـة ومكانتها؟ فأركن لبعض الوقت إلى القول بانها لغـة مفروضـة من قبل الاستعمار واعوانـه؟
لطن هذا الجواب، لا يطمئنني ! لأنه ببساطـة مراوغ ويضمر المكايدات السياسيـة واحيانا الجهوية؟!
الآن دعونا نختبر قليلا مقاومـة ذكاءنا لمثل هـذه الشعارات الحزبية والحركيـة؟
لماذا يختار اول رئيس للجمهوريـة إلقاء خطاب الاستقلال باللغـة الفرنسيـة دون اللغة العربيـة؟ لأنه كان عميلا للجنرال ديكول! طيب، اذا كان كذلك فلماذا تبقي الأنظمة على الإدارات مُفرنسة لعقود طويلة ولماذا تتقاسم اللغة العربية واللغة الفرنسية المناهج والمقاربات التربوية باستمرار، فمن هو العميل في مثل هذه الحالة؟ هل هي الانظمة المتعاقبة على سبيل الذكر؟
لنعد إلى الاختبار مجددا لنقر بأن موريتانيا عضو في الجامعة العربية (تنظيم سياسي اقليمي)، ولكنها في المجال التربوي والثقافي هي ايضا عضو في منظمة الفرانكفونية الدولية؟، وترفض الانضمام الى التجمعات السياسية الاقليمية بحجـة الحفاظ على الهوية والخصوصية الديمغرافية!!
لنعد الى المجتمع، فمن هم المتحدثون باللغة الفرنسية؟ هــم اداريون وموظفون من الطبقات المتوسطة والفئات الغنية من جميع الفئات والاعراق والقبائل، وبالإضافــة الى هؤلاء يرغب التكارير والسراكلة والولوف كتابة لغاتهم بالحرف اللاتيني وان تكون اللغة الفرنسية هي اللغة الوسيطة بينهم وبقية المكونات الاجتماعية، فم الضير فـي ذلك؟ ولماذا الحساسيـة من خيارات هذه المجموعات ؟
في اعتقادنا فإن الاسلم بالنسبة لدعاة الانصاف الحضاري الوقوف في وجه “التعريب” القسـري و”الاستيلاب” الغربي معا، مع الاقرار بكوننا مجتمع متعدد الروافد الثقافية. وهذا هو واقنا الذي يحتم علينا الاستفادة البراغماتية من ذلك الواقع والاكراهات. ولــم أقل هنا بأنني اللغة الفرنسية لغــة رسمية ولكنها قد تكون لغــة وطنيــة اذا تجردنا من الحمولات الايديلوجية.
انها رافــد لصيقة بشخصيتنا الوطنية منذ ما يزيد على القرن، وفوق هذا فبإمكانها أن تؤدي دورا في مجال التواصل بين المكونات التي باعدتها السياسية والمواقف الحديـة وانفرط عقد الثقة فيما بيها، هذا فقـط ما نرتجيه، ونؤسس لذلك انطلاقا من تجارب معروفة في عديد البلدان والدول.
الفرنسيـة، مهما حاولنا التنصل منها فإنها تزداد ارتباطا بنخبتنا التجارية والسياسية والديبلوماسية وذلك مرافقُ لكافة الانظمة الحاكمة؟ فيما يزداد بؤس المُستعربين من الفئات والمكونات المسحوقة والمعدمة والتي لم يتبقى اماهما سوى الانزواء على هامش احزمة الفقر او التسابق على محاضرات المساجد انتظارا وتعجيلا بنهاية الدنيا، وأما المحبطون منها فإن أماكنهم محجوزة لدى التنظيمات الحركية الاحتجاجية!!
بلغ “التعريب” القسري اوجه خلال حقبة الرئيس الأسبق معاويـة ولد سيد أحمد الطائع وكان من مميزات ذلك محاولات اجبار قومية التكارير/الفلان على الانتساب الى الأمـة العربية وكان اختيار كبار الموظفين من هذه المكونة يجري اختيارهم بناء على فصاحتهم واستعدادهم للإنخراط في هذا المشروع، الشيء الذي يعرضهم للسخرية من قبل ذويهم. ولذلك الغرض جرى تأسيس جمعية الأصالة واختير لقيادتها مستعربون يشتركون في الدراسـة في الجامعات المصرية او المشرقية وعلى مدى أشهر عديدة انغمست هذه المبادرة في دوامـة عبثيـة من البحث عن انساب “حميرية”، فأين هم، الآن اعضاء هذا التنظيم من النقاش الدائر حاليا؟
احيي صديقي، على حرصـه على نقاء وصفاء الهويـة القومية للأعراق والمكونات الموريتانية كل على حدة، وأحيي أصالــة عن نفسي المتحدثين باللغـة العربيـة اللذين قرروا يوما الانفتاح على اللغات الاخرى والامتناع عن شيطنة الثقافات المحلية او التشكيك في نوايا المجموعات. وأقول للأصوات الوطنية المنادية بالسوية الوطنية ولدعاة موريتانيا قوية بتنوعها أولاً، بأنه لا ضير من الانفتاح الحضاري على الخيارات اللغوية السليمة غير شاكين أو حذرين، ولاشك ان تنـامي ظاهرة التقرير بإســم المكونات الوطنية سينتج مزيدا من اجتثاث الثقافات القديمة ولكنه لن يضر اللغات الاجنبية، لأنها تعتاش على مثل هذه الصراعات.
نحب اللغة العربية.. لكننا نحب موريتانيا أيضا!؟

بقلم عبيد اميجن
باحث مهتم بشؤون غرب افريقيا والساحل