الريادة

الموسوعة الميسرة للألفاظ الكويتية.. حكاية اللغة واللهجة المحكية

في سن السادسة عشرة غادر خالد الرشيد الكويت لإشباع ولعه بالحواسيب وعلومها، ليحط رحاله في العاصمة البريطانية لندن، ومنها إلى الولايات المتحدة ليعود أدراجه إلى بلده متخصصا في علوم الحاسوب، لكن تلك الرحلة تركت آثارها عليه خاصة في ضعف استيعابه لقواعد اللغة العربية واللهجة الكويتية.

“عندما عدت كنت أنطق الضاد ظاء ولم أكن ملما بقواعد الإعراب من كسر أو نصب أو رفع الكلمة، وذلك لأنني قضيت فترة استيعاب اللغة العربية خارج الكويت”، يقول الرشيد.

وحدث ذات مرة أن جلس الرشيد مع بعض أصدقائه أثناء لعبهم “الورق”، فاستوقفته كلمة “جنجفة” المستخدمة محليا في الكويت لوصف “الورق”، وظل يفكر مليا في معنى الكلمة ومن أين جاءت، لتبدأ في عام 2001 رحلته في البحث عن أصول كلمات اللهجة الكويتية.

وانبثاقا من تخصصه، قام بعمل جدول مستخدما نظام “مايكروسوفت أكسس”، ثم كتب فيه كل كلمة تذكرها ومعناها، لتصل حصيلة ما جمعه خلال أربعة أيام إلى 950 كلمة جمعها في ملف وانطلق به إلى رئيس مركز الدراسات والبحوث التخصصية في الكويت آنذاك عبد الله الغريب، لتنطلق معه أولى أسس موسوعته.

ويروي الرشيد -للجزيرة نت- أنه التقى في المركز بكثير من المؤرخين الكويتيين، ويتابع “أوصوني بقراءة معجم “تاج العروس” إلى جانب قائمة طويلة من المعاجم، فانكببت مدة ثلاث سنوات أعكف على دراستها وتتبع أصول الكلمات”.

 

ومضى الرشيد في تقصي وتحري الدقة في أصول مفردات اللهجة بين دفات المعاجم العربية والعالمية وأمهات الكتب، فضلا عن التحاور مع كبار المؤرخين أمثال سيف مرزوق الشملان والدكتور صالح العجيري وغيرهم كثير.

لم تكن مهمته يسيرة، إذ كان البحث عن أصل كلمة واحدة يكلفه رحلة تقوده إلى أكثر من دولة خليجية وعربية وحتى آسيوية، وخلالها كان يتحاور مع علماء اللغة وكبار السن في تلك المجتمعات إلى أن استطاع بعد ثمانية أعوام من الجهد والتقصي، وتحديدا في عام 2009 إصدار النسخة الأولى من “الموسوعة الميسرة لألفاظ الحياة الاجتماعية في البيئة الكويتية”، وأتبعها بنسخة ثانية، ثم ثالثة في عام 2013.

الموسوعة -التي تعد الأولى من نوعها للتعريف بالمفردات الكويتية- تقع في خمسة مجلدات، ويصل عدد مفرداتها إلى 3079، معززة بما لا يقل عن 500 صورة توضيحية لبعض المفردات، إضافة إلى أقراص مدمجة “سي دي” (CD).

و تنقسم المفردات بحسب استخدامها إلى ثلاثة أقسام محلية وإقليمية وعالمية؛ فكلمة “نوخذة” –على سبيل المثال- تعني ربان السفينة في اللهجة الكويتية، وهي كلمة إقليمية لأنها مستخدمة في دول الجوار ويرجح الرشيد أن أصلها سواحيلية جاءت عبر تواصل سكان الجزيرة العربية مع زنجبار.

وهي كلمة مذكورة في المعاجم الفارسية وأيضا في المعاجم العربية مثل “تاج العروس” و “المحيط” الذي أرجع أصولها إلى الفارسية، في حين أن معجم “لسان العرب” لم يذكرها، وبالتالي هي قد تكون عربية مهاجرة إلى الفارسية، أو أنها سواحيلية مهاجرة إلى الأوردو ومنها إلى الفارسية.

هناك كلمات هاجرت إلى اللهجة الخليجية من لغات مستخدمة في الدول المجاورة، ومنها اسم “بندر” المعروف في جميع دول الخليج وتحديدا في وسط الجزيرة العربية التي تعد أم اللغة العربية، ويقال إن أصلها فارسي، حيث إن كلمة “بندر” تعني بالفارسية “ميناء” وهو نفس معناها في اللغة الإندونيسية فهناك “بندر جاكرتا”، في حين أن بندر تحمل معنى الساتر الذي يستر من الأمواج في اللهجة الكويتية.

وهناك كلمات هاجرت من العربية إلى اللاتينية ثم عادت إلى العربية مرة ثانية، مثل كلمة “كوب” التي تكتب بالإنجليزية “Cup”، وذلك حسبما يوضحها الرشيد في موسوعته.

وحسب الرشيد، فإن اللهجة الكويتية تتكون من ثلاثين صوتا، وقوامها ست لهجات رئيسية هي لهجة أهل منطقة شرق، ولهجة أهل منطقة جبلة، ولهجة العوازم -قبيلة كويتية- ولهجة أهل منطقة الفنطاس، ولهجة أهل جزيرة فيلكا، ولهجة أهل منطقة المرقاب.

كما يؤكد أن اللهجة الكويتية استطاعت أن تحافظ على كيانها رغم التحديات المعاصرة، حيث تمكن المتحدثون بها من الحفاظ على شكل الأفعال فيها، لأن ضياع الأفعال يعني ضياع اللهجة، وفقا لتعبيره.

وقال الرشيد إن اللهجة الكويتية “متحركة وليست جامدة” تماما كحال اللغة العربية، التي طرأت عليها إضافات كثيرة، ولم تعد بالصورة التي كانت عليها قبل قرون، وضرب مثلين بالجموع التي أضيفت إلى العربية، وهما كلمة “أزهار” جمع “زهرة” التي كان جمعها حسب المعاجم القديمة “زهور”، وكذلك كلمة “أخشاب” جمع كلمة “خشبة”، والتي تشير القواميس إلى أن جمعها هو كلمة “خشب”.

ويعود هذا التغيير في ألفاظ الأسماء المستخدمة داخل اللغة إلى حاجة مستخدميها إلى استحداث ألفاظ جديدة تتناسب مع المتطلبات اليومية لحياتهم.

كما أن هذه الأسماء الأجنبية التي تدخل في اللهجة الكويتية على اختلاف أصولها وجذورها، من هندية وأوردو وفارسية وتركية وإنجليزية، تكون في الغالب لمواد أو مأكولات ليس لها مقابل في اللهجة الكويتية.

في رحلته الموسوعية هذه، استلهم الرشيد روح جده الراحل الشيخ عبد العزيز الرشيد الذي يعد مؤرخ الكويت الأول، وقد كان خير معين له في رحلته، وشد عضده في إكمال سعيه لمنتهاه.

وتقديرا لجهوده في إصدار الموسوعة، حاز خالد الرشيد على جائزة الدولة التقديرية عام 2013، لتشكل دافعا له لمواصلة مسيرة عطائه، ويتوجها بسلسلة كتب هي “قاموس المسميات والمصطلحات البحرية”، وكتاب “ألفاظ اللهجة ذات أصول مجهولة”، وكتابان نقديان في كتب اللهجة الكويتية، أحدهما “معجم الألفاظ الكويتية” لجلال الحنفي، والآخر “الموسوعة الذهبية” للكاتبة غنيمة الفهد.

كما انتهى خالد الرشيد مؤخرا من كتابة عمل درامي توثيقي يجسد سيرة جده الشيخ عبد العزيز الرشيد، الذي يعد أحد أهم الرموز الكويتية، حيث عمل في الصحافة وكان من الإصلاحيين الداعين إلى الفهم الصحيح للإسلام، وهو أول من أصدر كتاب في التاريخ الكويتي تحت عنوان “تاريخ الكويت” في عام 1926، وهو الكتاب الذي حرص الحفيد خالد الرشيد على إعادة نشره محققا ومنقحا قبل أعوام قليلة.

المصدر: الجزيرة