الجمعة, 22 نوفمبر, 2019
الريادة

نجوى سياسية في ” الكزره “! / محمدو ولد البخاري عابدين

لم تكن هذه هي أول محاولات تقويض حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ولن تكون هي آخرها كحزب حاكم له خصومه التقليديون، وله بيادقه الداخليون، وأصبح له أيضا مُزاحموه الجدد على مائدة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، فعلى مدى عشر سنوات من عمر هذا الحزب لم يغب يوما واحدا عنوان على صفحة أو خبر في قناة عن ضعف الحزب، وعن ترهل الحزب، وعن تناحر أهل الحزب.. بينما ظل الحزب، وهو ضعيف ومترهل ومتناحر، يعزز مكانته من استحقاق لآخر إلى أن وصل لعدد قياسي من نواب الجمعية الوطنية، ومن عدد العمد والمستشارين البلديين، وسيطر على كامل المجالس الجهوية المستحدثة، وذلك في انتخابات من أوسع انتخابات البلاد مشاركة. 

لم يعلن رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ترشحه من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ولكن ذلك لم يكن سابقة، فقد ترشح قبله الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مرتين ولم يعلن ترشحه من هذا الحزب، كما أن القول بأن الحزب لم يتحرك أو لم يكن له دور في حملة وبالتالي فوز رئيس الجمهورية أيضا مردود عليه، إذ من هم الناشطون والفاعلون السياسيون الذين عبؤوا ونسقوا وتحركوا في دوائرهم ومناطقهم خلال جولة الرئيس الشاملة لمناطق البلاد بعد إعلانه الترشح فاتح مارس، وما تلا ذلك من عمل وتعبئة وتنسيق خلال حملته الرئاسية؟ إنهم نواب حزب الاتحاد الزائد عددهم على 100 نائب، وعمد ومستشاري الحزب البالغ عددهم الآلاف، ثم رؤساء المجالس الجهوية الإثني عشر والعشرات من مستشاريهم! ولم يقتصر دور الحزب على دعم وإنجاح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فقط، بل إنه أيضا مد أطواق النجاة لعدة مترشحين من المعارضة من خلال تزكية ملفات ترشحاتهم بتوقيعات عمده ومستشاريه، وما كان لهم أن يُكملوا ملفات ترشحاتهم تلك لولا تلك التوقيعات، وكان ذلك بإيعاز وتوجيه من الحزب وليس تمردا عليه، وهذا أيضا كان دورا لهذا الحزب ” الضعيف المترهل المتناحر ” تجدر الإشارة إليه.

صحيح وكما قلنا لم يترشح رئيس الجمهورية من حزب الاتحاد، غير أنه أيضا لم يقل إنه ليس مرشحه، لكن وإلى أن تنقلب القاعدة الثابتة التي تقول بأن الفعل أبلغ من القول ليصبح ” القول أبلغ من الفعل ” ويبني القائلون بتملص الرئيس من الحزب على تلك القاعدة المقلوبة، فإننا نُذكر بأن الحزب الوحيد من بين أحزاب الأغلبية الذي زاره المترشح محمد ولد الشيخ الغزواني في مقره، بل ومن أحزاب المعارضة التي التحقت به بعد إعلان ترشحه هو حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهي الزيارة التي عبر في ختامها عن اعتزازه وفخره بدعم الحزب له والذي وصفه بالسريع خلال مؤتمره الإستثنائي يوما واحدا بعد إعلانه الترشح فاتح مارس 2019، وهو المؤتمر الذي أصر الرئيس غزواني أيضا على حضوره وتشبيك الأيدي ورفعها عاليا على المنصة مع قياداته.

هذا ما جرى إبان إعلان رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني عن ترشحه وما جرى خلال حملته الرئاسية، أما بعد فوزه وتنصيبه فلم نسمع لا تصريحا ولا تلميحا ما يمكن أن يُستشف منه تملصه من الحزب أو تخليه عنه، لم نسمع عن ذلك ولم نرى له أية مؤشرات كذلك، فالوحيد مما صدر من الرئيس فيما يتعلق بالحزب حتى الآن هو ما نقله عنه الأمين العام للجنة تسيير الحزب الوزير محمد ولد عبد الفتاح خلال لقائه به، وسننقله لكم حرفيا كما نقلته عنه وسائل الإعلام ونقله هو لقيادات الحزب واتحادييه حيث قال ” لقد أكد لي رئيس الجمهورية حرفيا بأنه ينتمي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية وفخور بدعمه، نافيا وبشكل قاطع تفكيره في إنشاء حزب سياسي جديد على أناقض الحزب الحاكم، وقد قدم رئيس الجمهورية شكره لقيادات الحزب على التفاني لإنجاحه.

 وقال لي رئيس الجمهورية، بكل صراحة، إنه فخور بانتمائه للعشرية الأخيرة وكونه جزءا أساسيا من تلك الحقبة التي يعتبر أنها حققت الكثير لهذا البلد وسيعمل بكل طاقاته من أجل صون وتطوير تلك المنجزات وتحسين الخدمات الأساسية والظروف المعيشية للمواطنين، وأنه يعتبر نفسه شخصيا منتميا للحزب الحاكم، وأنه لا يمكنه أن يكون رئيس جمهورية دعمه حزب يمتلك أغلبية مطلقة في البرلمان والمجالس البلدية والجهوية، ويكون لديه تفكير في إنشاء حزب آخر، وأن الأمر ليس مطروحا إطلاقا، وأنه لا يمكن حل حزب الاتحاد كما حصل مع الأحزاب الحاكمة سابقا في البلاد، حيث كان يتم حلها بعد انقلاب عسكري وليس انتقالا ديمقراطيا للسلطة “.

فمن لديه تصريح أو تلميح إو إماءة بعد هذا من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني حول حزب الإتحاد والموقف منه، سواء من قيادات أو منتسبي حزب الاتحاد، أو من أحزاب الأغلبية الداعمة الأخرى، أو من الملتحقين الجدد بالرئيس فليقدمه، أو يتنظر موقفا جديدا له من الحزب بدل الهرولة والتصرف بالإيحاء للرأي العام بأن الرئيس لا ينتظر للتخلص من الحزب الحاكم سوى أن يجد من يبادر في ذلك الإتجاه، ليكون هذا المبادر غير حزبي أصلا أو هو آخر الملتحقين بالرئيس ليكون حامل لواء تقويض حزب سبق للرئيس التعبير بكل وضوح عن تمسكه به واعتزازه بدعمه والإنتماء إليه، ويدعو بعض مناضلي ومنتخبي هذا الحزب تحت جنح لظلام على تخوم العاصمة دون إبلاغهم مسبقا عن جدول الأعمال أو الهدف من الإجتماع ليتفاجؤوا لبعض الحضور ومن الحديث عن الكيد لحزبهم من طرف غرباء عليه!

أيضا كان هذا الإجتماع النجوى يمكن أن يكون وجيها أو مفهوما لو كان الداعون له سبق لهم وأن اتصلوا بقيادات حزب الإتحاد لطرح أفكارهم ورؤاهم حول وضعية الحزب وملاحظاتهم عليه، والآليات التي برونها لإصلاحه أو اندماجهم فيه كما يقولون ورفض الحزب نقاش ذلك أو الاستجابة له، وهو ما لا علم لنا بأنه حصل مما جعل هذا الحراك لا يخرج عن نطاق مساع البعض ” تطوعا “منه في التخلص من كل ما له علاقة بالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وأول ذلك الواجهة السياسية التي كان يحكم بها وعلى رأسها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية..!

وقد كان واضحا من إجابات صاحب الدعوة القاضي فضيلي ولد الرايس منفردا في إذاعة ” موريتانيد ” وبمعية رئيس تيار الوفاق الملتحق أخيرا بالرئيس سيد أعمر ولد شيخنا في قناة ” المرابطون “، أن الأول خرج الأمر من يده وحاد عن الأهداف التي دعا من أجلها لنقاش عام كما قال، وعبر عن أسفه لذلك وعن  نيته عدم المواصلة في هذا المسعى بعد ” انفجار القنبلة ” التي أتى بها بعض المدعوين تحت أكمامهم دون أن يكون على علم بها، بينما كان واضحا التباين في الطرح بينه و بين رئيس تيار الوفاق الوطني سيد أعمر ولد شيخنا في لقاء ” المرابطون “، حيث بقي القاضي ولد الرايس على موقفه من أنه لم يكن يتوقع حدوث ما حدث وإلا لما كان دعا للإجتماع في بيته أصلا، مجددا موقفه بعدم مواصلته في هذا المسعى، غير أن سيد أعمر ولد شيخنا بدا مصرا على ما طرحه في الإجتماع المذكور مكررا جملة من الإقتراحات حول الموقف من حزب الاتحاد ظل أولها حل حزب الاتحاد، يليه مقترح ثان بإنشاء حزب مواز له تكون مرجعيته الرئيس، تاركا بابا مفتوحا يدرك أنه لا يستطيع سده وهو إصلاح الحزب وفتحه أمام الداعمين الجدد للرئيس كخيار أخير مطروح لكن على مضض إدراكا منه لمكانة الحزب لدى الرئيس واستبعاد انشغاله في هذه الفترة في تفكيك حزب قائم لا لشيئ سوى إرضاء ملتحقين جدد مهما يكونون فإنهم ليسوا بذلك الحجم السياسي بحيث يكون التحاقهم على حساب من سبقوهم في الدعم والإلتحاق وخاصة حزبا كبيرا كحزب الاتحاد..!

لكن، وكما قال راعي الغنم للمحتال الذي هدده بتحويل غنمه إلى خنازير إذا لم يعطيه شاة منها، فقال له إذا كان بمقدورك تحويل غنمي إلى خنازير فلماذا لا تحول الخنازير إلى غنم وتتركني وغنمي؟! فلماذا إذن لا يعمل المتلحقون الجدد بالرئيس على تشكيل حزب أو أحزاب سياسية ويصبحوا كغيرهم من أحزاب الأغلبية الداعمة له والتي ظل كل منها يعتبر حزب الاتحاد حزبا حاكما أو على الأقل حزبا شريكا!

أيضا ليس حزب الأتحاد غائبا كما يروج له، فنوابه حاضرون في البرلمان ولولاهم لما حصل برنامج الحكومة على التزكية، وعمده ومستشاروه ورؤساء مجالسه الجهوية موجودون ويمارسون صلاحياتهم، ويصدر البيانات المواكبة للأحداث الوطنية، ويلتقي قادته ومنتخبوه بصورة دائمة، ويجهز للانتقال لمقر جديد أعده وجهزه.. صحيح أنه تأجل مؤتمره الوطني لأسباب شرحها وله قيادة مؤقتة تؤدي نفس الدور المفترض أن تقوم القيادة به من نشاطات في انتظار عقد مؤتمره العام وانتخاب هيئاته، لكن إذا كان تأجيل أو تعطل المؤتمرات العامة للأحزاب سببا في تجازوها فلماذا لا ينطبق الأمر على أحزاب أخرى لم تقم بعملية تجديد انتساب ولم تعقد مؤتمراتها العامة منذ سنين عديدة وبعضها ليس ذلك مطروحا في أجنداته حتى؟!

كذلك ليس ما يُتخذ اليوم ذريعة لنسف الحزب من أن عمليات انتسابه الأخيرة شهدت تزويرا وسببت غبنا وتهميشا ذريعة وجيهه، لأن عملية الانتساب مر عليها الآن أكثر من سنة ولم نجد من مناضلي ومنتخبي الحزب من تحدث عن ذلك التزوير مثلما يتحدث عنه اليوم مطالبا بعملية انتساب جديدة، والغبن والتهميش أيضا لم تعكسهما نتائج الحزب في آخر انتخابات تشريعية وبلدية وجهوية، إذ لو كان هناك غبن وتهميش لانعكس ذلك في ترشيحات الحزب وفي حجم مغاضبيه الذي كان في هذه الانتخابات أقل بكثير منه في برلمانيات 2013، ولانعكس أيضا في حجم ناخبيه الذين أوصلوه للنتائج غير المسبوقة والمبينة أعلاه. ولن يتغير أي شيء بإجراء عملية انتساب جديدة ما دام من سيعبؤون لهذا الانتساب ومن سينتسبون هم أنفسهم من عبؤوا للانتساب الأخير، فكل منهم يطمح لموقع في الحزب كرئيس قسم أو فرع أو اتحادي أو مندوب.. وسيحشد ويستخدم علاقاته وقدراته لحشد أكبر كم من المنتسبين للوصول لذلك الهدف، وبنفس الطريقة التي عشناها خلال عمليات الانتساب الأخيرة والتي كان الناس خلالها هم من يأتون للحزب وليس الحزب هو من يأتيهم، حيث افتتح مكاتب انتساب على كامل التراب الوطني وانكب  الناس عليه، ولم نر منتسبا قاصرا ولا آخر في رقبته حبل مُقتادا لمكاتب الإنتساب قسرا، وبالتأكيد  لم تكن في استمارات الانتساب للحزب خانة للتأكد من هدف المنتسب من الانتساب، ولا عملية لشق صدره للوقوف على قناعته، لأنه حتى العقيدة التي هي أعظم من هذا كله لا تفرض الشريعة شق صدر صاحبها للتأكد من صحة عقيدته!     

اسمعوا يا أحبابنا، سواء كنتم سياسيين أو كتابا بقيتم طيلة السنوات العشر الأخيرة تُنجمون وتُحللون وتُنظرون لجبهتكم ثم منسقيتكم ثم منتداكم المعارض إلى أن تبين أن ذلك التنظير راح كله سُدى وجُفاء ولم يفد المعارضة شيئا لأنه ظل سباحة في الفضاء والخيال، ولم يكن يوما منطلقا من واقع على الأرض، لتأتوا اليوم بنفس التحليل والتنظير لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وذراعه السياسية، وما تبقى من الذراع السياسية لسلفه الرئيس محمد ولد عبد العزيز، ومن منهما سيمتلك الأوراق ومن منهما سيفقدها، ومن سيربح منهما من بدء الصراع ( الأمنية ) بينهما ومن سيخسر، ومن سينكشف ظهره ومن سيُغطى.. اعلموا أنكم ما لم تهتدوا إلى ” كلمة سر ” شفرة ما خطط له الرجلان وما مهدا له ورسماه معا منذ سنة 2005 وإلى اليوم أو إلى ما شاء، بما في ذلك مكانة حزب الاتحاد ودوره وضرورة الإبقاء عليه أو حله، وآليات التعامل مع الصراعات المحتملة، إلى غير ذلك مما أنتم أدرى بما تبقى من أعماركم من تفاصيله وحقيقته وطبيعته، ما لم تهتدوا لمفتاح تلك الشفرة فستبقون في ” شفره ” وستسلك كل تنظيراتكم وتحليلاتكم الطريق الذي سكلته من قبل، وليس رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني والرئيس محمد ولد عبد العزيز ملزمان بالتبرع لكم بتلك التفاصيل، وبالتأكيد لا يزعجهما خوضكم فيها وتكهناتكم حولها كل حسب ما أمده به خياله، ما دام ذلك يُسليكم ويشبع فضولكم، ويُشكل لكم مظلة هبوط من مواقفكم السياسية السابقة إلى هذه الجديدة !