الريادة

شاعر.. بين الحرمين:(ذكرى مستعادة)

الدكتور: أدي آدبه

الريادة ـ ثقافات ـ لحظاتُ زيارة المُسلم للحرميْن الشريفيْن، أعتقدُ أنها قد تكون من أكثر اللحظات التي يستشعر فيها الإنسان حاجتَه لأنْ يكونَ شاعرًا، حتَّى تتَّسِعَ روحُه لاستيعابِ الدَّفْق الشُّعوري العالي الذي يغمرُه هناك، وحتى يجدَ اللغةَ غيرَ العادية، للتعْبير عن ذلكَ الإحْساسِ فوْق العادي، حيث سَيَزْدَحِمُ في روحِه مزيجٌ مُرَكَّبٌ من وَارداتِ الإيمانِ، وذاكرةِ خرائطِ المَكان، وصبيبِ حوادث الزمان، وسيْرُورة الإنسان، وقدْ افترَضْتُ أنَّه فِي رِحابِ مكة المكرَّمة، سيتلبَّسُه نصٌّ من هذا القبيل:
ألُــــــــــوذُ.. بالبَيْتِ.. رَبُّ البَيْتِ…يَحْمِينِي!
حُبِّــــيهِ.. يَنْشُرُنِـــــــي.. خَوْفِيهِ… يَطْوينِي!
قدْ جِئْتُ.. أحْمِلُ هَمَّ الأرْضِ.. فِـــــي خَلَدِي
وكُلَّـــمَا هَمَ.. فِي دُنْــــــــــــيَايَ.. فِي دِينِي!
ولنْ أمُــــــــدَّ.. يَــــــدِي.. إلا إليْكَ.. فَــــلَا
ربٌّ.. ولا مَلِكٌ…إلَّاكَ.. يَعْــــــــــــــــنِينِي!

أطوفُ.. فِي زحْمَةِ المَمْشَى.. وَنَبْضُ دَمِي
إيقـــاعُ.. مَجْــرَى ضُيُــــوفِ اللهِ.. يَهْدِيني!
خُطَى المَـــلائِكِ.. والرُّسْلِ الكِــرَامِ.. ومَنْ
طـــافُوا.. هُـــــنَا.. مِنْ مَــلايينِ المَــلايينِ!
لبَّــيْــكَ.. تَزْدَحِمُ الأصْــــــــــدَاءُ.. مُخْبِتَةً..
كلُّ اللُّغَـــــاتِ.. هَــنَا.. نفْسُ التــــلاحـينِ!
بحْرٌ.. يمُوجُ.. منَ الحَاجَاتِ.. صــاعِدَةً
لله.. مَلْهُوفَةً.. تُحْدَى…بِــــــ “آميــــــــن”!

هناكَ.. دَعْوَةُ إبْراهــــــــــــيمَ.. مَا فَتِئَتْ
تَسْتَقْطِبُ النَّــاسَ.. منْ شتًّى المَيـــــادينِ!
ولمْ يَزَلْ ظمَأُ اسْمَــــاعـــــــيلَ.. يَسْكُـنَنَا 
فكُلُّ سَــاعٍ.. يُنَاغِـــي: هَاجَــرُ.. ارْوِيـنِي!
مَا زَالَ.. فِي خْطْوِكِ المَلْهُوفِ.. مَدْرَجَةٌ
لظامــــِئي زَمْزَمَ.. الرُّوحِيّ.. لا الطيني !

وحين يقتفي خُطَى الهجْرة المُقَدَّسَة، باتجاه المدينة المنورة، افترضتُ- أيضا- أنه سينخرط في “نجْوى”، حُبٍّ مقدَّسٍ، مع سَاكِنِها، عليْه الصلوات والسلام، نبيّ الرحْمَة والمَحَبَّة:

يا سَيِّـدي.. يا رَسُولَ الله.. هَـــــــا أقِـــفُ
أمَــــامَ قَبْـرِكَ.. قَــلْبِــي –لَهْـفَةً- يَجِــــفُ!
أمُدُّ.. مِلْءَ ازْدِحَــــــــامِ الزائرينَ.. يَــــدًا
وَدَّتْ.. لَوِ الحُجْبُ -دُونَ القَــبْـرِ- تَنْكَشِفُ!
أرْنُــو- فأكْذِبُ طَرْفِـي- دَهْـشَةً.. أأنَـــــــا
-لَهْـــفِي- إلى حَضَــرَاتِ القُدْسِ.. أزْدَلـِفُ؟!
رِجْلايَ.. تَسْتَعْظِمَانِ السَّعْيَ.. حيْثُ مَشَتْ
رِجْلاكَ.. لَيْتِي – عَلَى رَأسِي- هُـنَا.. أقِفُ!
أذْنَــايَ.. تَسْتَـشْرِفَــانِ الوَحْيَ.. مَا فَتِـــئَتْ
أصْدَاؤه.. تَمْلَأُ الأرْجَــا.. فأرْتَجِــــــــــفُ!
وكُلَّمَا –عنْ حِمَاكَ- الخَطْـوَ أبْـــعَــدَنِــــي
أحْسَسْتُ.. رُوحِي.. إلى مَثْوَاكَ.. تنْعَطِفُ!
هُنَـــــــاكَ.. مَلْحَمَةُ الإسْلامِ.. تَكْـتُـــــبُنِي
سِفْرًا.. فأسْتَرْجِعُ التَّارِيخَ.. يَأتَــــلِـــــــفُ!
وَيَعْـزِفُ القَلْبُ.. نَبْـــضًا.. كُلَّ قَـــــــافِـيةٍ
بالحُبِّ.. بالمَدْحِ.. بالتَّقْدِيــــس.. تَنْعَــزِفُ!
الشاعر : الدكتور أدي ولد آدب