الريادة

“ثلوج الليلة الأخيرة” للراحل ناجي.. رواية تولد يتيمة

“ثلوج الليلة الأخيرة”، هي رواية يتيمة بحسب أسرة الروائي الراحل جمال ناجي، ليست لأنها الوحيدة، بل لأنها خرجت للحياة بغياب كاتبها، الذي توفي قبل أن يودع الرواية للطباعة.

الروائي جمال ناجي (1954-2018) الذي بدأ الكتابة بروايته “الطريق إلى بلحارث” (1982) التي تحدث فيها عن الغربة وحياة الصحراء وشمسها اللاهبة وغموضها، ختم روايته الأخيرة بالثلج وهو يعيش صقيع غربتي الحياة المعاصرة التي تمزق الإنسان وتشوه أعماقه بالزيف والمخاتلة، وغربة الوطن حيث ولد في عقبة جبر بأريحا الفلسطينية.

تتناول الرواية الصادرة في الذكرى الأولى لرحيله عن دار الشروق بعمّان قصة صديقين لا تربطهما البغضاء ولا المحبة، وإنما نوع من الضرورة التي يقتضيها السرد مثل مختبر لكشف شبكة من العلاقات المعقدة والملتبسة والمغلفة بالشك التي ينسجها الإنسان في الحياة بقدرية ما.

وخلال حوارات الصديقين يخترق الروائي كثيرا من المساحات السائدة بالأسئلة الصادمة والجريئة التي تعيد التفكير في الحياة بنظرة مضادة للسائد، وهي الحوارات التي لا يستطيع معها القارئ التمييز بين الجلاد والضحية.

يقول ناجي في الرواية إن “شخصياتها تسللت إلى تعرجات ذاكرتي، عبثت في مساحات روحي وأوراقي.. وكل ما فعلته أنني أعدت ترتيب حكاياتهم ومناكفاتهم”.

ثلوج الليلة الأخيرة

ولم يكن سؤال الموت بعيدا عن أجواء الرواية في استهلاله بعنوان “قبل القراءة” لتقع هواجس الكاتب بين شهرزاد التي هزمت الموت بألف ليلة وليلة، وكلكامش في دورة البحث عن سخف الخلود، والاختبارات التي عرضها هوميروس لأوديسيوس الذي تغلب على كل المحن.

الوعي النقيض
الرواية التي حمل غلافها لوحة للكاتب تحكي بأسلوب تعدد الأصوات التي يكون فيها المتكلم العليم، ولا تخلو الرواية من حس بوليسي في تطور الأحداث بما تنطوي على ألغاز يخفيها شخوص الرواية، وحادثة قتل غامضة وتجارة أكثر غموضا، وهي بالنسبة للمؤرخة هند أبو الشعر “مكاشفة ذكية وصادمة”.

تقوم الرواية التي تقع في 278 صفحة من القطع المتوسط على ثلاث شخصيات، هم: كايد، وعثمان وسهاد، ويتحدث كل واحد منهم عن حياته وعلاقته بالآخر وشكوكه التي لا يخفيها اتجاهه، التي وصفها الناشر فتحي البس بأنها نوع من “الوعي النقيض” الذي يفسر رؤية الكاتب وهواجسه إزاء راهن الأمة الواهن، وتراجع قوى التنوير أمام قوى الظلام.

وقال الناشر البس إنه كان اتفق مع الكاتب على نشر الرواية، ولكن سفره حال دون ذلك، واتفق على تسلم الرواية بعد عودته بأسبوع ليفاجأ برحيل جمال ناجي الفاجع ويتسلم النسخة من الورثة.

تغوص الرواية في أعماق شخوصها الذين تفتك بهم نوازع الشر التي تسيطر عليهم، وربما يكون مرد ذلك الشر هو إخفاء هشاشة الإنسان وضعفه.

فخاخ سردية
وينسج الروائي جمال ناجي خيوط الرواية ضمن فخاخ سردية تتصل بواقعة استبدال معطف مع صديقه، بما في المعطف من وثائق وجهاز خلوي ونقود، تتيح لكل واحد منهما محاولة القبض على سر الآخر، ولكن الروائي بما يملك من احتراف ومهارة يستطيع أن ينجو من الوقوع في الكشف الذي يبقيه حتى سقوط الثلوج في الليلة الأخيرة.

يقول عثمان أحد شخوص الرواية الرئيسة: “يوم أحس كايد بازدياد شكوكي واستحكامها بي، قال لي، بدأت تخيفني، لأن ما قلته يعني ألا سبيل إلى خلاصك من شكوكك إلا بموتك”.. ويتساءل، من منا الطيب ومن الشرير، يا الله كم هي بليدة الأرض وقاحلة دون كايد، وكم هي الحياة خاوية من دون سهاد.

ويقول كايد: أين اليقين في هذه الحياة، وأين الصواب، بل أين الخطأ.. وحينما قال عثمان: انقرضت الدهشة في عالمنا، كان محقا”.

تجربة الراحل جمال ناجي تنوعت بين الكتابة القصصية والروائية مع أنه بدأ في كتابة الشعر، وتناول العديد من المواضيع التي تتصل بحياة الصحراء، وتحولات العولمة، والانقلابات الفكرية التي يعاني منها المثقف، وسيطرة رأس المال وتحديدا المؤسسات النقدية التي خبرها من خلال عمله في البنوك، وعمله النقابي والسياسي.

ومن مقولات ناجي الذي تسلم رئاسة رابطة الكتاب الأردنيين لعدد من الدورات: “إننا لا نريد أن نسيس الثقافي، بل نريد أن نثقف السياسي”، وكان مهتما بالمجتمع المدني من خلال رئاسته لدورية أفكار التي تصدر عن وزارة الثقافة الأردنية بعدد من الملفات.

وناجي هو كاتب روائي وقاص أردني من أصل فلسطيني، عاش طفولته في أريحا وانتقل لعمّان إثر نكسة يونيو 1967، وعمل مدرسا في السعودية ومديرا لمركز ثقافات للدراسات وتحولت بعض رواياته لمسلسلات مثل (وادي الغجر) عن روايته “مخلفات الزوابع الأخيرة” ومسلسل (حرائق الحب).