الريادة

إسراف في الكلام وتقتير في الفعل/الولي سيدي هيبه

الولي ولد سيدي هيبة ـ كاتب صحفي

في فن الكلام لا يشق لأغلب أفراد نخبنا الثقافية والسياسية، الدارسة فنون الجدل، فهم فيه مدججون بالشعر فصيحه ولهجه وبالأمثال والحكم وضروري الأحاديث إلى ذلك ومن الآيات القرآنية للاستدلال بجرأة، ولكنها على أرض الفعل الذي يبني السلوك القويم وينير الدرب إلى العمل المثمر نهضة ووعيا وعدالة وعزة ووطنا شامخا معطاء، فإن الأمر مخيب للآمال، مثبط للهمم، مخجل بغلبة النفاق عليه ومدمر بكل القرائن والدلائل والإثباتات على بديهية التخلف الصارخ بعد سبع وستين عاما من الاستقلال وتعثر الحراك الفوضوي بثنائية سوء التسيير والفساد، والإمعان المرضي في الماضوية السيباتية.

وبالطبع فإن الكلام الذي لا يثمر لا يعطي كتبا تعمر رفوف المكتبات، ولا ينتهي به المطاف إلى ابتكار أو إبداع يأخذ شهادة تزكيه فيرفع قيمة البناء ويدفع إلى الاستقلالية والمساهمة.

فهل لأحد الوجهين المتقدمين محل من الإعراب في ساحة حراك هذا البلد الذي يسرف أهله في الكلام ويقترون في الفعل؟

غياب النخوة السياسية

في بلاد التناقضات الكبرى والسيبة العصية على التحول، لا شيء يجرى وفق منطق الأشياء. السياسة فرس رهان الإقطاعيين والقبليين والوصوليين والانتهازيين والطفيليين، كل يديرها في فلك نفسه الأمارة بالسوء، والوظيفة هي الطريق المختصر إلى المال العام اختلاسا وتبذيرا بلا أمانة أو نزاهة، والادعاء المعرفي والقيمي، والنبوغ الأدبي والمظهر الديني، جميعها أغطية واهية للجرأة على المخالفات العقائدية والأخلاقية والتعاملية وغياب النخزة السياسية.

حقيقة مرة تثبتها بكل وضوح هشاشة البلد في محيطه الإقليمي .. تأخر في المظهر المفتقر إلى أدنى مقومات دولة البنى التحتية الأساسية والقانون المانع الجامع و السياسة المترفعة البناءة من ناحية، والهوان في مسار مجتمعي وسياسي تنخره أمراض القلوب وغياب النخوة الوطنية وضعف الخطاب الذي تستدعيه ضرورة النهوض من رماد الحريق السيباتي الكاسح من ناحية أخرى.. فهل يعقل أن يظل

معتقل الشعارات الكبرى

وأنا أتابع عبر القنوات الإقليمية والعالمية أفلاما وثائقية الساخنة عن إنجاز متواصل لمشاريع وطنية عملاقة وبنى تحتية هائلة في كل الدول المجاورة من دون شعارات تنشر أو تزمير وصخب ملازم ولا ربط وإلصاق هذه المنجزات بأشخاص عابرين وإن أشرفوا مرحليا على دورة المسار، تَحضرني بشدة حمم الأهازيج والغنائيات والأشعار والنثريات و الملحميات التي تصحب – في هذه البلاد المبتلاة بالفساد والعنتريات اللفظية من زمن “السيبة” العصية – كل عمل ناقص يقام به بعد جهد غرضي غير مدروس لتضفى عليه، وبلا خجل من بعد، الأسماء اللامعة من قبيل المنجزات الكبرى والمكتسبات العظيمة التي لا يحصل التردد لحظة الإعلانُ عن جبها لما قبلها.

ففي غياب الطرق المتسعة ذات الربط المشتبك وسكك الحديد ذات المردود التنموي الكبير، والأنفاق والطرق السريعة، والمصانع التحويلية لبعض مقدرات البلد الخام المتنوعة، والمؤسسات التعليمية الفنية المرموقة، ومصانع معالجة الأسماك عوضا عن تصديرها، والمنتجات الزراعية بدل تأجير أراضيها؛ في غياب كل هذا وفيره مما يقوض غيابه المطلق حراك البلد تصك الآذان شعارات كبيرة تحاول بزيفها أن تغطي بزيفها على وضعية التخلف الاستثنائية التي يعيشها بلد له نهلا وبحر ويدعي أهله الألمعية والسبق في كل فنون المعرفة والأدب. فهل يستقيم الأمر؟